شفقنا-يتجه النظام المالي العالمي نحو تحول هيكلي قد يعيد تعريف هرم القوة الاقتصادية بحلول عام 2030، حيث يترنح البترودولار الذي هيمن على تسوية تجارة الطاقة منذ سبعينيات القرن الماضي، بينما يصعد البترويوان كبديل استراتيجي مدعوم بآليات مالية صينية وسياسات تنويع عملات من قبل كبار المصدرين. ففي ظل التنافس المحتدم بين واشنطن وبكين، والتوترات الجيوسياسية في الخليج ومضيق هرمز، لم تعد الهيمنة الدولارية حتمية، بل يتشكل سيناريو تعايش تنافسي قد يتحول إلى نظام ثنائي القطب بحلول نهاية العقد.
تشكّل النظام المالي الدولي خلال نصف القرن الماضي على أساس آلية تعرف باسم البترودولار، وهو مفهوم جذوره في تحولات سبعينيات القرن العشرين وانهيار نظام بريتون وودز. بعد التخلي عن معيار الذهب، توصلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى اتفاق استراتيجي مع كبار منتجي النفط، وخصوصا المملكة العربية السعودية، للحفاظ على الطلب العالمي على الدولار. بموجب هذا الاتفاق، تم تسعير وتسوية النفط بصفته السلعة الاستراتيجية الأكثر حيوية في العالم بالدولار. مما أجبر الدول، لتأمين احتياجاتها من الطاقة، على الاحتفاظ باحتياطيات دولارية، وهكذا تحول الدولار إلى العمود الفقري للنظام المالي العالمي.
البترودولار ليس مجرد آلية تجارية، بل هو أداة لممارسة القوة الهيكلية لأمريكا في الاقتصاد العالمي. فالطلب المستدام على الدولار يتيح تمويل عجز الميزانية وميزان المدفوعات الأمريكي بتكلفة منخفضة، ويجعل هذا البلد قادرا على استخدام الأدوات المالية، بما فيها العقوبات، لتحقيق أهدافه الجيوسياسية. تتجاوز قيمة تجارة الطاقة العالمية بالدولار ثلاثة تريليونات دولار سنويا، وهذا الحجم الهائل رسخ مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية.
وفي هذا السياق، تلعب الأهمية الجيوسياسية لمضيق هرمز، باعتباره أحد أخطر ممرات الطاقة في العالم، دورا حاسما. إذ يمر عبر هذا الممر نحو 20 مليون برميل من النفط الخام يوميا، تتداول معظمها بالدولار. وهذا الحجم من المبادلات لا يشكل سوق الطاقة فحسب، بل يحدد هيكل الطلب العالمي على الدولار. فأي اضطراب في هذا المسار، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية، يمكن أن يحمل عواقب عميقة على الاقتصاد الأمريكي.
ومع ذلك، شوهدت في السنوات الأخيرة، وفي سياق اشتداد التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، مؤشرات على تغير في هذا النظام. تسعى الصين، باعتبارها أكبر مستورد للطاقة من منطقة الخليج، إلى تقليل الاعتماد على الدولار ورفع مكانة اليوان في النظام المالي الدولي. تعتمد الصين، عبر سياسات تنمية اقتصادية قائمة على توسيع التجارة الخارجية، والاستثمار في البنى التحتية، وتعميق الروابط الاقتصادية مع الشرق الأوسط، إلى إنشاء شبكة موازية من العلاقات المالية والتجارية.
من أهم أدوات الصين في هذا المسار، إنشاء بنى تحتية مالية بديلة لتسوية تجارة الطاقة. فإطلاق تداول النفط باليوان، وإبرام اتفاقيات ثنائية مع كبار مصدري الطاقة، وتطوير آليات دفع مستقلة، كلها تندرج في سياق تشكيل البترويوان. والتعاون مع دول مثل روسيا وإيران، خاصة في ظل العقوبات الغربية، أدى إلى زيادة استخدام العملات غير الدولارية في تجارة الطاقة.
وفي غضون ذلك، تلعب التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصا العدوان الذي قاده تحالف الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي على إيران وامتداد تبعاته إلى المنطقة بأسرها، دورا مهما في تسريع العمليات الجيواقتصادية. هذه التطورات، من خلال زيادة حالة عدم اليقين والمخاطر الجيوسياسية، ستعزز دوافع الدول لتقليل الاعتماد على النظام المالي القائم على الدولار في المستقبل القريب. في ظل هذه الظروف، يسعى العديد من اللاعبين الإقليميين وما وراء الإقليميين إلى تنويع العملات المستخدمة في تجارة الطاقة.
من منظور خبراء، ينبغي تحليل الانتقال من البترودولار إلى البترويوان في إطار تحول متعدد الطبقات. على المدى القصير، سيحتفظ الدولار بمكانته المهيمنة بسبب عمق الأسواق المالية، والسيولة العالية، والثقة المؤسسية. لكن في أفق عام 2030، يزداد احتمال تشكل نظام مالي ثنائي القطب بين الصين وأمريكا. في مثل هذا النظام، سيحصل اليوان، كعملة منافسة للدولار، على حصة أكبر من التجارة العالمية، خاصة في مجال الطاقة.
ستسعى دول مجلس التعاون الخليجي مثل السعودية والإمارات وقطر، في المستقبل القريب، إلى متابعة خيارات تنويع العملات. من جهة أخرى، يمكن أن تعمل التحديات المتعلقة بأمن الطاقة والقيود المحتملة في مضيق هرمز كعامل مسرع لإعادة تعريف مسارات العملات.
يرى قلق متزايد في الولايات المتحدة الأمريكية تجاه مستقبل مكانة الدولار. فالانخفاض التدريجي لحصة الدولار في تجارة الطاقة العالمية، إذا تحقق، يمكن أن يؤدي إلى إضعاف الطلب العالمي على هذه العملة، وفي النهاية تقليل القوة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة. حتى أن بعض المحللين يتحدثون عن سيناريو تراجع الهيمنة الدولارية، وهو أمر يعتمد على المدى الطويل على التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي.
يمكن القول إن الانتقال من البترودولار إلى البترويوان هو انعكاس لتحولات أعمق في هيكل القوة العالمي. هذا الانتقال ليس تبدلا مفاجئا، بل عملية تدريجية ومعقدة تتشكل في سياق التنافس الاستراتيجي بين الصين وأمريكا، والتطورات الجيوسياسية الإقليمية خاصة في الشرق الأوسط، والتغيرات في أنماط التجارة العالمية. حتى أفق 2030، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا هو تشكل نوع من التعايش التنافسي بين الدولار واليوان.
هذا التعايش هو علامة على تحرك الاقتصاد العالمي نحو نظام ثنائي القطب؛ نظام لم تعد فيه القوة الاقتصادية والمالية حكرا على أمريكا، بل ستوزع بين عدة لاعبين رئيسيين. في مثل هذا العالم، فإن الدول القادرة على فهم هذه التحولات بشكل صحيح وتعديل استراتيجياتها الاقتصادية والنقدية في الوقت المناسب، ستحظى بمزايا كبيرة في ميدان التنافس الدولي.
المصدر: موقع ديبلماسي إيراني
————————
المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–


