الفاتيكان يتحدى ترامب ويحوّل “الوعظ” إلى سلاح لمواجهة العنف الأمريكي

شفقنا-المواقف الصريحة والنصائح التي أطلقها البابا ليون خلال الأيام القليلة الماضية، وردود الفعل غير المألوفة أخلاقيا من جانب فريق ترامب ضده، تكشف للعالم مدى تأثير هذه المواقف وعدة حقائق مهمة لكنها خفية. ربما كان كثيرون يعتبرون البابا فرنسيس، بسبب خصائصه الشخصية والدينية الخاصة، آخر بابا يدافع عن العدالة في إصلاح تقليد الفاتيكان المنفعل، ولم تكن لديهم آمال في البابا الجديد (من أصل أمريكي) في مواجهة الظلم العالمي. لكن تصريحات البابا ليون، في احتجاج صريح على العنف والهيمنة المكشوفة للحكومة الأمريكية، أحدثت زلزالا في الرأي العام العالمي وخصوصا في فريق ترامب، كان له أثر كبير في تغيير الأجواء العالمية. لفهم أبعاد ونطاق تأثير هذه الخطوة الفاتيكانية، لا بد من الإشارة إلى ما يلي:

1-في العقد الأخير، حاول الفاتيكان -بصفته أحد أعرق وأقوى المؤسسات الدينية في العالم- أن يحل تحدياته الداخلية المتعددة، وأن يضطلع بدور يتجاوز كونه مجرد مرجع واعظ، فاتخذ مواقف واضحة وغير مسبوقة أحيانا في العديد من الأزمات الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية في العالم. 

هذه المواقف البراغماتية، في مواجهة منهجية للتحديات العالمية، سواء تصاعد النزاعات العالمية والإقليمية أو قضيتا البيئة والجوع، والتي يعبر عنها قادة الكنيسة، عادة لا تأتي في صورة وعظ عام ومألوف، بل في صورة بيانات أخلاقية وتحذيرات عالمية، وهذا ما هيأ الأرضية لتأثير واسع على الرأي العام العالمي، خاصة في دول الجنوب. وتوقف تأثير هذه البيانات على البنية والسياق الاجتماعي للمجتمع المستهدف والجمهور المتلقي. ولأفضل فهم لأبعاد هذه الظاهرة، لا بد من دراسة البنية الدينية للمجتمعات، ونفوذ مؤسسة الدين، والتاريخ السابق للتدخل الإيجابي للدين في حل الأزمات، والتقليد الفاعل للفاتيكان في الدبلوماسية الأخلاقية.

2- البنية الدينية في المجتمعات الحديثة ودورها في الرأي العام: في كثير من البلدان، لا يزال جزء كبير من السكان يعتبرون أنفسهم مسيحيين أو تابعين لأحد الأديان الإبراهيمية. ورغم اختلاف درجات التدين، تظهر الإحصائيات أن مجتمع أمريكا الشمالية وأجزاء من أفريقيا وأمريكا اللاتينية لا تزال تحتفظ بمستويات عالية من المشاركة الدينية. هذا الحضور الديني النشط جعل المؤسسات الدينية -ومنها الكنيسة- تلعب دورا بارزا في البنية الثقافية والأخلاقية للمجتمعات، وبالتالي في الساحة السياسية. 

خلافا للاعتقاد السائد بأن أوروبا هي المركز الديني الأبرز في العالم الغربي، فإن نسبة حضور الكنائس والارتباط المؤسسي بالدين في أمريكا، وتأثير ذلك على السياسة، أكبر بكثير. هذه البنية في أمريكا تمنح المؤسسات الدينية قوة تمكنها، بموقف غير سياسي لكنه أخلاقي، من تغيير نظرة ملايين البشر تجاه قضية معينة. ولهذا فإن كل بيان أخلاقي للفاتيكان ليس مجرد رسالة دينية، بل يعتبر جزءا من حوار عالمي واسع حول العدالة والأخلاق والمسؤولية العالمية.

3- نفوذ الكنيسة على القواعد الاجتماعية وتأثيرها الفوري على صناديق الاقتراع: في المجتمعات التي يشكل فيها الدين جزءا مهما من الهوية الفردية والاجتماعية، يمكن لمواقف المؤسسات الدينية أن تكون أكثر تأثيرا من الأحزاب ووسائل الإعلام والمؤسسات المدنية. كثير من الفئات الاجتماعية التي تلعب دورا نشطا في الحياة الاقتصادية والثقافية لا تزال تعتبر الرسائل الأخلاقية للزعماء الدينيين دليلا عمليا لحياتها.

 قد يصل هذا التأثير إلى درجة أن موقفا أخلاقيا يمكنه أن يغير مسار النقاشات العامة بشكل كبير، ويهدئ أو يشعل أجواء الحوار، أو حتى يدفع القواعد التقليدية لبعض التيارات الاجتماعية والقواعد السياسية إلى إعادة النظر في وجهات نظرها. كثير من مؤيدي ترامب (تيار ماجا) هم من المسيحيين والكاثوليك الأمريكيين، وتأثير الكنيسة في تغيير رأي هذه الفئة المتعصبة والمتدينة أكبر بكثير من تأثير الحزب الجمهوري نفسه. هذه الفئة لديها معلومات سياسية أقل بكثير عن تطورات العالم، وتتبع آراء ترامب الشخصية بشكل تابع، لذلك فإن تغيير قاعدتهم الانتخابية يحظى بأهمية كبرى لدى فريق ترامب. التصرف غير اللبق لترامب ومنشوراته البذيئة على مواقع التواصل قوبلت برد فعل سلبي شديد لدى هذه الفئة نفسها، وخصوصا طائفة الإنجيليين، مما يمكن أن يقلص قاعدتهم الانتخابية التقليدية بشكل حاد وسريع.

4- استمرار موقف البابا ليون وإصراره على مواصلة هذا النهج يدل على أن الأمر يتجاوز المواقف الفردية والوعظ الديني الأسبوعي، ليصبح جزءا من أجندة الفاتيكان. الآثار قصيرة وطويلة الأجل لهذه الصدمة آخذة في الاتساع بشكل كبير، وهذا الأمر وموقف البابا والفاتيكان لم يزعج فقط فريق ترامب في البيت الأبيض، بل أيضا أزعج وأقلق لوبي إيباك (اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة) وفريق نتنياهو، الذين يستفيدون كثيرا من الارتباط المؤسسي الوثيق بين الصهيونية والمسيحية.

5- ولكن لا ينبغي نسيان الآثار طويلة المدى والمؤسسية لهذا الأمر في قوة الاحتجاج الأخلاقي لمؤسسة الدين ودورها في تقليل العنف العالمي. أظهرت التجربة التاريخية أن الرسائل العامة للفاتيكان، خاصة في فترات الأزمات، عادة ما تخلق موجة من المراجعة الأخلاقية بين المجتمعات المسيحية وحتى غير المسيحية.

 المجتمعات الدينية عادة ما تكون حساسة جدا تجاه اللغة الأخلاقية؛ لذلك عندما تؤكد مؤسسة دينية على مخاطر العنف والظلم ومعاناة البشر، تستقبل هذه الرسالة ليس كنقد سياسي، بل كتحذير أخلاقي. قوة هذه الرسائل تكمن في قدرتها على التأثير في الجماهير المتعصبة التي تظهر ردود فعل صارمة ومنغلقة تجاه التحليلات السياسية، لأن النصيحة الأخلاقية تحمل طابعا غير مواجهي وغير أيديولوجي.

في الوضع الراهن، حيث تنتهك القوانين الدولية والأمم المتحدة بسهولة من قبل القوى الكبرى وأمريكا وإسرائيل، يمكن للدين والمؤسسات العالمية القائمة على الأخلاق، رغم القيود، مثل الفاتيكان والأزهر، أن تكون فعالة ومؤثرة في توجيه الرأي العام وتعزيز الدبلوماسية العامة من أجل سلام دائم. يجب الاستفادة من هذه الآليات بذكاء وفعالية، والسعي لتعزيزها. على الأجهزة الدبلوماسية والإعلامية والمؤسسات الدينية الواعية أن تعمل على فهم متعدد الأبعاد وطويل المدى لهذه الظاهرة، وأن تعزز التواصل والتآزر مع هذه القوة الناعمة والمؤثرة.

المصدر: صحيفة شرق

————————

المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

المقال السابقصراع القطبين: هل يشهد عام 2030 نهاية “هيمنة البترودولار”؟
المقال التاليلوفيغارو: العالم على أعتاب اضطراب اقتصادي طويل الأمد