تشكّل الدولة الحديثة.. من الدولة المطلقة إلى القانون الدولي وأوهام السلام الدائم

شفقنا-يرى جانفرانكو بوجي (Gianfranco Poggi) أن تشكّل الدولة الحديثة هو نتيجة عملية تاريخية تدريجية نشأت عبر الانتقال من مراحل الإقطاع، ثم نظام «الستنداشتات» (Ständestaat) أي الدولة القائمة على الطبقات، وصولا إلى الحكم المطلق.

ففي النظام الإقطاعي (تقريبا من القرن التاسع إلى الثالث عشر في أوروبا) كانت السلطة السياسية شديدة التشتت واللامركزية، وكانت السلطة موزعة بين الملك والنبلاء الإقطاعيين وأرباب الأراضي المحليين. 

وكانت العلاقات السياسية تقوم أساسا على الالتزامات الشخصية والعقود مثل علاقة السيد بالتابع (اللورد والفاسال)، وليس على مؤسسات عامة أو قوانين موحدة، إذ لم تكن الدولة بوصفها كيانا مستقلا قد نشأت بعد. لذلك كانت السلطة تعتمد على ملكية الأرض والقوة العسكرية المحلية، ما أنتج نظاما سياسيا شبكيا قائما على العلاقات الشخصية والتراتبية.

ومع ظهور مرحلة الستنداشتات (الدولة القائمة على الطبقات) بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر، وبسبب نمو المدن والتجارة والتغيرات الاجتماعية، ظهر شكل جديد من التنظيم السياسي. في هذه المرحلة شاركت الفئات الاجتماعية الأساسية مثل النبلاء ورجال الدين وسكان المدن (البرجوازية) في عملية صنع القرار السياسي بوصفها طبقات أو نقابات (Estates)، إذ لم تكن السلطة قد تمركزت بالكامل بعد، رغم أن مؤسسات سياسية وعامة بدأت تتشكل تدريجيا بعيدا عن العلاقات الشخصية.

أما مرحلة الدولة المطلقة (Absolutist State) بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، فقد تمكن فيها العديد من ملوك أوروبا من تركيز السلطة. ففي الحكم المطلق سعى الملك إلى تقييد نفوذ النبلاء والمؤسسات المحلية، وإنشاء جهاز إداري، وجيش دائم، ونظام ضريبي مركزي. وفي هذه المرحلة أصبحت الدولة أكثر استقلالا عن المصالح الشخصية للنبلاء، وظهرت البيروقراطية المهنية، رغم أن السلطة بقيت متمركزة بشكل أساسي في يد الملك.

لكن نقطة التحول الكبرى في تطور بنية الدولة كانت مع معاهدة وستفاليا عام 1648، التي أنهت حروب الثلاثين عاما في أوروبا، وأرست مبادئ أساسية مثل: الاعتراف بسيادة الدول داخل حدودها، وتقليل تدخل الدول في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتعزيز مفهوم الدولة الإقليمية، والاعتراف بنظام دولي تعد فيه الدول الفاعل الأساسي.

وتعتبر العديد من نظريات العلوم السياسية والعلاقات الدولية هذه المعاهدة مؤسسة للنظام الدولي الحديث. ووفقا لليو غراس، أدت وستفاليا إلى نشوء نظام تعايش بين دول متعددة متساوية قانونيا، يقوم على قواعد القانون الدولي.

لكن هذا التصور المتفائل تجاهل أن الدول، رغم كونها ظواهر تاريخية، تمتلك في الوقت نفسه ديناميكية داخلية مستمرة، ما يجعلها عرضة لتوتر دائم بين عنصرين: منطق المصلحة الذي تعتمد عليه الدولة لبقائها، والتفاعل الإجباري مع الدول الأخرى. لذلك فإن كل تسوية في النظام الدولي مشروطة، وكل تحالف مؤقت، وكل ائتلاف هش، وفي لحظة التصادم النهائي لا مفر من الحرب.

وقد تعمقت هذه الرؤية التشاؤمية بعد الحرب العالمية الأولى، ما أدى إلى ظهور مقاربات مختلفة في السياسة الدولية.

يعتقد هدلي بول أن هناك ثلاثة تقاليد فكرية رئيسية في تاريخ السياسة الدولية:

التقليد الهوبزي-المكيافيلي (الواقعي)- التقليد الكانطي (العالمي/الليبرالي) – التقليد الغروسي (القانوني الدولي)

من منظور هوبز، الساحة الدولية هي مجال صراع وتنافس وصِفرية في توزيع القوة، حيث إن مصلحة كل دولة تتعارض مع مصالح الدول الأخرى. ويقول هوبز إن السلام هو مجرد استراحة من حرب سابقة استعدادا لحرب قادمة، وبالتالي يحق للدولة القوية متابعة أهدافها دون قيود أخلاقية أو قانونية، لأن الأخلاق والقانون يقتصران على داخل الدولة فقط.

أما ماكيافيللي، فيرى – كما يوضح وايت – أن الدبلوماسية ليست وسيلة للسلام، بل أداة تقوم على التحول والخوف والطمع. 

ويذهب جاكسون إلى أن السفير عند ماكيافيللي هو شخص يرسل إلى الخارج ليكذب، وإذا فشلت الدبلوماسية القائمة على القوة والخداع فإن الحرب تصبح النتيجة الطبيعية، وهي ليست أمرا سلبيا بالضرورة، بل وسيلة لحل تضارب المصالح.

ويرى بول أن هذا التيار الواقعي، المتجذر في هوبز وماكيافيللي، يمثل تقليد الحديديين الذي لا مكان فيه للأخلاق. ويؤكد وايت أن الواقعيين يركزون دائما على الفوضى والحرب والقوة، ويعتبرون النزاع عنصرا جوهريا في النظام الدولي.

في المقابل، يقدم التوجه الكانطي رؤية معيارية مثالية. فبحسب لينك ليتر، يرى هذا الاتجاه أن الفصل بين السياسة الداخلية والخارجية قابل للتجاوز، وأن التعاون الدولي ممكن بفضل المصالح المشتركة والدبلوماسية المفتوحة.

وترتكز فلسفة كانط، كما في كتابه السلام الدائم (1795)، على أن الحالة الطبيعية للعلاقات الدولية تميل إلى الحرب بسبب غياب سلطة مركزية عليا، لكنه يؤمن بإمكانية تجاوز ذلك عبر العقل والأخلاق.

وتقوم رؤيته على ثلاثة مبادئ:

الجمهورية: الأنظمة الجمهورية تقلل احتمالات الحرب لأن الشعب يتحمل كلفتها.

اتحاد السلام: اتحاد طوعي بين دول حرة يحل النزاعات عبر القانون دون دولة عالمية.

الحق الكوزموبوليتي: الإنسان، وليس الدولة فقط، هو موضوع الحقوق، مع التأكيد على حقوق الضيافة والإنسان بوصفه مواطنًا عالميًا.

وقد أصبحت هذه الأفكار أساسا للنظريات الليبرالية الحديثة ومؤسسات مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وفي النهاية، يرى كانط أن العلاقات الدولية ليست صراع قوة، بل عملية قابلة للإصلاح عبر الأخلاق والقانون والمؤسسات المشتركة.

المصدر: صحيفة اعتماد

————————

المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

 

المقال السابقأهم عناوين شفقنا العراق ليوم الأربعاء 22 أبريل 2026
المقال التاليالتداعيات الاقتصادية للحرب ضد إيران.. عبء عالمي يضغط على دول الجنوب