التداعيات الاقتصادية للحرب ضد إيران.. عبء عالمي يضغط على دول الجنوب

شفقنا-دول الجنوب العالمي تتحمل العبء الأكبر من التداعيات الاقتصادية للحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، كما أن المواطنين الأمريكيين يواجهون أيضا ضغوطا اقتصادية ناتجة عن هذا الصراع.

وتجعل الاضطرابات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، ولا سيما في الاعتماد على الطاقة وقوة العملات والقدرات المالية، آثار الحرب ضد إيران أكثر تدميرا خارج الولايات المتحدة.

كما أن الداخل الأمريكي ليس بمنأى عن تأثيرات الحرب، إذ ارتفعت أسعار الوقود بشكل ملحوظ، ومن المتوقع أن يرتفع التضخم ويتباطأ النمو الاقتصادي.

وقد انعكس هذا التأثير في حالة القلق التي أظهرتها استطلاعات الرأي، حيث بيّنت أن معظم الأمريكيين يعارضون الحرب ويعتقدون أنها ستؤثر سلبًا على أوضاعهم المالية.

والمفارقة أنه رغم هذه المخاوف، لم تشهد البلاد احتجاجات واسعة ضد الحرب، ويُعزى ذلك جزئيا إلى ضعف الوعي العام، إذ أفاد كثير من الأمريكيين بأنهم لم يسمعوا الكثير عن الصراع، إضافة إلى انشغالهم بقضايا داخلية مثل الرعاية الصحية.

كما توجد عوامل هيكلية تخفف من حدة الأزمة على الاقتصاد الأمريكي، مثل كونه أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، واستفادته من قوة الدولار، إضافة إلى ازدهار سوق الأسهم المدفوع بقطاع الذكاء الاصطناعي.

مصادر الضعف

في المقابل، تتحول هذه العوامل نفسها إلى مصادر ضعف لبقية دول العالم، حيث تعتمد معظم الدول على استيراد الطاقة، ما يجعلها شديدة الهشاشة أمام ارتفاع الأسعار.

وتفتقر اقتصادات الدول النامية إلى القدرة المالية لدعم مواطنيها في مواجهة هذه الزيادات، في حين يعاني السكان مباشرة من آثارها.

كما يؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكاليف الواردات للدول ذات العملات الأضعف، في حين تتركز مكاسب الطفرة التكنولوجية في الشركات الأمريكية، ما يفاقم عدم المساواة العالمية.

جنوب آسيا الأكثر تضررا

تعد منطقة جنوب آسيا من أكثر المناطق تضررا. ففي باكستان، التي تعتمد على استيراد معظم احتياجاتها من الطاقة، أدت الحرب إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار الوقود، ما أجبر الحكومة على اتخاذ إجراءات تقشفية طارئة، مثل تقليص أيام العمل، وإغلاق المدارس، وخفض رواتب المسؤولين.

كما اضطرت البلاد إلى طلب دعم مالي من المملكة العربية السعودية. وفي بنغلادش، فرضت الحكومة قيودا على الوقود وأغلقت عدة منشآت. وفي الوقت نفسه، شهدت سريلانكا ونيبال إجراءات مماثلة وسط ارتفاع أسعار الغذاء.

أما الهند، فعلى الرغم من امتلاكها هامش مناورة أكبر، فقد تأثرت بشدة. إذ خفضت الحكومة الضرائب على الوقود لدعم المستهلكين، لكن ذلك جاء على حساب الميزانية العامة. كما أدت أزمة الطاقة إلى تعطيل الأعمال وتهديد الإنتاج الزراعي بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة، فضلا عن تراجع الأسواق المالية وتوقعات النمو.

وفي عموم آسيا، تواجه الدول التي تعتمد على واردات الطاقة عبر مضيق هرمز أزمات متصاعدة، تتراوح بين إعلان حالات الطوارئ وفرض إجراءات تقشفية، وصولا إلى اضطرابات في قطاعات مثل النقل الجوي. كما أن ارتفاع أسعار الأسمدة، إلى جانب موجات الحر، يزيد من مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

ولا تقتصر تداعيات هذا الوضع على الدول النامية. ففي أوروبا، تعاني الاقتصادات المتقدمة من ارتفاع تكاليف الطاقة وتباطؤ النمو. فقد أعلنت ألمانيا حزم دعم، بينما شهدت إيرلندا احتجاجات بسبب الغلاء. وبشكل عام، تواجه دول الاتحاد الأوروبي تحديات مستمرة في قطاع الطاقة مع انخفاض مستويات تخزين الغاز.

تباطؤ اقتصادي وتكلفة مباشرة

ورغم هذا التأثير العالمي، لن يكون الأمريكيون بمنأى عن تداعيات الوضع، وذلك عبر مسارين رئيسيين. الأول هو تباطؤ الاقتصاد العالمي، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينخفض النمو العالمي إلى نحو 2%، وهو مستوى يرتبط عادة بالركود.

وسيؤثر ذلك على الشركات الأمريكية عبر سلاسل التوريد، إذ ستنعكس زيادة تكاليف الإنتاج في آسيا على أسعار السلع في الولايات المتحدة.

أما المسار الثاني، فهو التكلفة المباشرة للحرب، التي قد تصل إلى تريليون دولار يتحملها دافعو الضرائب الأمريكيون، مع زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي، وهو ما سيؤثر على الاقتصاد الأمريكي على المدى الطويل.

في المحصلة، تدفع دول العالم ثمن عدم المساواة نتيجة الحرب ضد إيران، حيث يقع العبء الأكبر على الدول ذات الموارد المحدودة، وتتحمل الدول الأكثر فقرا النصيب الأثقل، في عالم مترابط تتجاوز فيه آثار الصراعات الحدود الجغرافية لتصيب الفئات الأكثر هشاشة.

المصدر: موقع جماران

————————

المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

المقال السابقتشكّل الدولة الحديثة.. من الدولة المطلقة إلى القانون الدولي وأوهام السلام الدائم
المقال التاليطهران ترهن التهدئة بفك الحصار البحري