شفقنا-لم يعد بالإمكان اعتبار تويتر (أو إكس) مجرد شبكة اجتماعية أو أداة تواصل بسيطة. فما يجري في هذا الفضاء يشبه أكثر ميدانا حيا ومتسارعا لإنتاج المعنى وإعادة إنتاجه. إن الطريقة التي يمكن أن تربك بها بضع كلمات من شخص مثل ترامب التحليلات بسرعة، هي في الواقع علامة على تحول أعمق؛ تحول في كيفية تشكّل الانتباه والتفسير وحتى السلطة في عالم اليوم.
إذا بدأنا من نقطة بسيطة، فعلينا الإشارة إلى محدودية انتباه الإنسان. ففي عالم نتعرض فيه باستمرار إلى كم هائل من المعلومات، لا يرى كل شيء؛ بل يرى ما هو أكثر بروزا. ويعمل تويتر تحديدا على هذه الخاصية: رسائل قصيرة وسريعة وغالبا ما تكون مثيرة.
في هذا الفضاء، لا يعني قصر الرسالة السطحية، بل هو نوع من تكثيف المعنى. والأكثر إثارة أن الغموض في هذه الرسائل، بدلا من أن يكون نقطة ضعف، يتحول إلى ميزة، لأنه يتيح لكل شخص تفسيرها بطريقته، ما يوسع مجال التحليل.
التغير المهم الآخر هو تراجع دور الوسطاء التقليديين. ففي السابق، كانت وسائل الإعلام تلعب دورا حاسما في نقل الرسائل وتفسيرها. أما اليوم، فيمكن لسياسي أو أي فاعل مؤثر أن يتحدث مباشرة إلى ملايين الأشخاص. وهذا يعني أن عبء التفسير لم يعد محصورا في مؤسسات محدودة، بل توزع بين طيف واسع من المستخدمين. لذلك، عندما تنشر تغريدة، فإنها لا تقرأ فقط، بل تدخل سريعا في دورة من التفسير وإعادة النشر وإعادة تشكيل المعنى.
وبالتوازي مع ذلك، تغير مفهوم المصداقية. فلم يعد الموقع الرسمي أو المؤسسي وحده ما يمنح الرواية وزنها، بل أصبحت سرعة الانتشار وعدد إعادة النشر وحجم المشاهدة مؤشرات على نوع من المصداقية. غير أن هذه المؤشرات تعكس ما يجذب الانتباه أكثر مما تعكس ما هو أدق أو أصح. ولهذا، فإن الروايات الأكثر حدة أو غموضا أو عاطفية تحظى عادة بفرص أكبر للانتشار.
ولا يمكن التقليل من دور الخوارزميات. فهذه الآليات، رغم أنها غير مرئية بشكل مباشر، تحدد ما الذي يعرض أكثر من غيره. ومن الطبيعي أن تنتشر المحتويات التي تثير ردود فعل أكبر. ونتيجة لذلك، يتجه الفضاء نحو إبراز الرسائل الأكثر استقطابا أو غرابة. وفي مثل هذه الظروف، يمكن لتغريدة واحدة من شخصية معروفة أن تتحول بسرعة إلى حدث لا يقتصر على نقل الخبر، بل يغير مسار التحليلات.
وإذا نظرنا إلى ترامب في هذا السياق، تتضح الصورة أكثر. فأسلوبه القائم على الجمل القصيرة، واللغة البسيطة، وأحيانا الغموض أو الإثارة، يتوافق تماما مع منطق هذا الفضاء. هذه الرسائل تجذب الانتباه بسرعة وتثير التفاعل. لكن الأهم هو سلسلة التفاعلات التي تليها: يبدأ المحللون بالتفسير، وتنقل وسائل الإعلام هذه التفسيرات، ويعيد المستخدمون بناء روايات جديدة. وفي النهاية، تتحول جملة قصيرة إلى مجموعة من المعاني التي تعيد تشكيل فضاء التحليل.
غير أن هذه الظاهرة ليست مجرد مسألة إعلامية. فقد أصبح هذا الفضاء تدريجيا ساحة تنافس على تشكيل الإدراك. فالقضية لم تعد ما الذي يقال فحسب، بل كيف يفهم. تصاغ الرسائل بحيث تتماشى مع الافتراضات المسبقة للجمهور أو تدفعه نحو الشك والتعدد في الفهم.
في مثل هذه الظروف، يمكن حتى لرسالة قصيرة أن تحدث حالة من عدم الاستقرار في التفسير. فالتغريدة الغامضة تثير فورا تساؤلات: ما المقصود تحديدا؟ ما تداعياتها؟ هل يجب أخذها على محمل الجد؟ هذا الغموض يفتح المجال أمام روايات متعددة، وأحيانا تصبح هذه الروايات أكثر تأثيرا من الرسالة الأصلية نفسها. وفي لحظات حساسة، قد تترتب على ذلك آثار حقيقية في السياسة أو الاقتصاد.
وأمام هذا الواقع، لا تقتصر المسألة على مواجهة المعلومات الخاطئة، بل يكمن التحدي الأساسي في القدرة على التعامل مع هذا الكم الهائل والمتسارع من المعاني المتعددة. فالحاجة تزداد إلى التريث، وعدم التفاعل المتسرع، وإدراك أن كل رسالة لا تحمل بالضرورة معنى واحدا حاسما.
في النهاية، يمكن القول إن قوة تويتر تكمن في قدرتها على ربط الانتباه بالتفسير في لحظة واحدة وعلى نطاق واسع. فبضع كلمات قد تطلق سلسلة من التفاعلات والتحليلات، بل وقد تغير مسار النقاشات. وفي مثل هذا الفضاء، لم تعد الحدود بين التواصل والسلطة وحتى الأمن واضحة كما كانت في السابق. وهذا ما يجعل تويتر ظاهرة تتجاوز كونه مجرد وسيلة إعلامية بسيطة.
وفي المحصلة، تكمن قوة تويتر في قدرتها على مزامنة الانتباه والتفسير على نطاق واسع. لقد تحول إلى فضاء يمكن فيه لبضع كلمات أن تفعل سلسلة من التفاعلات والتحليلات والقرارات. وفي مثل هذه البيئة، تبهت الحدود بين التواصل والسلطة وحتى الأمن، ما يجعل فهم تويتر دون هذه الأبعاد فهماً ناقصاً للواقع.
المصدر: صحيفة اطلاعات
————————
المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–


