شفقنا- تطرح التحولات الجارية في استراتيجية السعودية تساؤلات حول قدرة البحر الأحمر على تعويض المخاطر المتزايدة في مضيق هرمز، خاصة مع التحديات الأمنية التي تهدد الملاحة في هذا المسار، ما يضع خطط التحول أمام اختبار معقد بين الضرورة الجيوسياسية وكلفة التنفيذ.
فرضت الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران مجموعة من التحديات الجديدة أمام المملكة العربية السعودية، من بينها إغلاق مضيق هرمز، وتعميق الخلاف مع الإمارات العربية المتحدة، وصولا إلى خروج أبوظبي من أوبك. وقد دفعت هذه التطورات محمد بن سلمان إلى تأمل أعمق في مستقبل موقع المملكة ضمن النظامين الاقتصادي والجيوسياسي في المنطقة.
الرياض في مواجهة صدمة هرمز؛ تحول استراتيجي نحو البحر الأحمر
قبل صعود محمد بن سلمان، كانت السياسة السعودية تتسم بالبطء، والاعتماد على التوافق، وقابلية التنبؤ إلى حد كبير. وكانت الرياض تميل إلى تجنب الصدمات الكبرى، مفضلة الحفاظ على موقعها عبر الحذر والموازنة والتحركات التدريجية. لكن محمد بن سلمان جعل البيئة الداخلية أكثر ديناميكية، واعتمد في السياسة الخارجية نهجا أكثر جرأة وهجومية، وأحيانا أقل قابلية للتوقع؛ وهو ما أدخل المملكة في بعض الحالات في أزمات مكلفة.
مع ذلك، أعادت حرب إيران إبطاء عملية اتخاذ القرار في السعودية وجعلتها أكثر حذرا. فقيادة المملكة تعيد الآن تقييم استراتيجيتها طويلة الأمد، إدراكا منها بأن نتائج هذا الصراع، مهما كانت، ستحدد مستقبل المنطقة لعقدين على الأقل. وليس من المستغرب أن تتركز هذه المراجعة على مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والسلع السعودية.
كانت الرياض تدرك منذ سنوات هشاشتها أمام أي اضطراب في هذا الممر الحيوي، لكنها كانت تعتبر إغلاقه الدائم سيناريو بعيد الاحتمال. اليوم، انهار هذا الافتراض. ولا تقتصر هذه الهشاشة على صادرات النفط فقط، بل تمتد لتشكل تهديدا مباشرا لنجاح رؤية 2030؛ وهي الاستراتيجية القائمة على جذب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير قطاع الخدمات اللوجستية، والسياحة، والصناعات الجديدة، وتحويل السعودية إلى مركز اقتصادي إقليمي.
والآن، بعد أن أغلق مضيق هرمز مرة، لم يعد خطر تكرار ذلك مجرد فرضية بعيدة. ومن وجهة نظر الرياض، قد يتحول هذا الحدث إلى أداة ضغط متكررة على اقتصادات الخليج في أي أزمة مستقبلية. وسيؤثر ذلك على الإيرادات النفطية، وتدفقات التجارة، وتأمين الشحن، والاستثمارات الأجنبية، وقدرة المملكة على تقديم نفسها كبيئة مستقرة للأعمال والتمويل والخدمات اللوجستية.
لهذا السبب، تعيد السعودية تعريف جغرافيتها الاقتصادية. ويكمن جوهر هذا التحول في تقليل الاعتماد على مضيق هرمز والتوجه بشكل أكبر نحو البحر الأحمر. فقد اكتسبت المشاريع الممتدة على الساحل الغربي، من الموانئ والمناطق الصناعية إلى المشاريع السياحية والبنى التحتية اللوجستية، أهمية استراتيجية أكبر من أي وقت مضى. كما أن امتلاك السعودية لساحلين، على الخليج والبحر الأحمر، يمنحها ميزة جغرافية مهمة لا تتوفر بنفس الشكل لدى بعض جيرانها، مثل الإمارات.
البحر الأحمر؛ المسار البديل السعودي وساحة تنافس جديدة مع الإمارات
يعني التحول الاستراتيجي السعودي نحو الغرب أن على شركة أرامكو السعودية نقل جزء أكبر من صادرات النفط الخام إلى مسار البحر الأحمر، أو على الأقل بناء قدرة لنقل نحو 7 ملايين برميل يوميا عبر هذا المسار. حاليا، تنقل أرامكو قرابة 4 ملايين برميل يوميا من الشرق إلى الغرب عبر خط أنابيب، لتصدر من ميناء ينبع على البحر الأحمر. وهذه القدرة، رغم عدم كفايتها للوضع الجديد، تمنح السعودية موقعا أفضل نسبيا مقارنة ببعض دول الخليج الأخرى التي لا تزال تعتمد على مسارات الخليج.
وفي ظل وصول أسعار النفط إلى نحو 120 دولارا للبرميل، تحتفظ الرياض بقدر من القدرة على الصمود المالي. غير أن ترسيخ موقعها كمركز رئيس للتجارة والطاقة والخدمات اللوجستية يتطلب استثمارات ضخمة وطويلة الأجل في البنية التحتية، بما يتيح نقل النفط والسلع بين البحر الأحمر والمراكز الاقتصادية الرئيسية في الخليج.
هذا المسار سيكون بطبيعته أكثر كلفة واستغراقا للوقت، لكن الطابع الهيكلي لمشكلة هرمز لا يترك أمام السعودية خيارات كثيرة. ومع ذلك، فإن تجاوز هرمز لا يعني إزالة المخاطر، بل نقلها من الخليج إلى البحر الأحمر.
فالهجمات التي يشنها الحوثيون على السفن في البحر الأحمر أظهرت أن انعدام الأمن البحري هناك ليس مجرد خطر ثانوي، بل تحد حقيقي أمام هذا التحول الاستراتيجي.
وتفسر هذه التهديدات إلى حد كبير سبب امتناع السعودية عن الانخراط المباشر في الحرب ضد إيران، وسعيها بدلا من ذلك إلى الحد من التصعيد. فقيادة المملكة تدرك أن أي رد عسكري مباشر قد يزيد المخاطر على أصولها الطاقوية وبناها التحتية ومساراتها البديلة.
والأخطر من ذلك أن التصعيد قد يدفع الحوثيين إلى الانخراط بشكل أوسع في الصراع، مما قد يحول البحر الأحمر، في اللحظة التي تحتاجه فيها الرياض أكثر من أي وقت مضى، إلى مسار جديد عالي المخاطر.
المصدر: موقع فرارو
————————
المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–


