الصين تكسر جدار العقوبات الأمريكية: بكين تختبر حدود القوة الأمريكية في ملف الطاقة العالمي

شفقنا-أقدمت الحكومة الصينية، قبيل الزيارة الرسمية المرتقبة لدونالد ترامب إلى بكين، على تفعيل أدوات قانونية لتجاوز العقوبات النفطية المفروضة على إيران، ودخلت بذلك مرحلة جديدة من المواجهة مع واشنطن. ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها تحد مباشر لاستراتيجية الضغط الأقصى الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بمنع انقطاع الشريان المالي الإيراني.

أصدرت وزارة التجارة الصينية، في خطوة توحي بمواجهة مباشرة، تعليمات للشركات المحلية بعدم الامتثال لقوائم العقوبات الأمريكية التي تستهدف المصافي التي تشتري النفط الإيراني. وللمرة الأولى، فعّلت بكين آلية قانون الحظر الصادر عام 2021، في محاولة لتعطيل القوانين الخارجية التي تعتبرها متعارضة مع الأعراف الدولية.

وجاء هذا التحرك قبل أيام من زيارة ترامب إلى بكين، في رسالة سياسية واضحة من الحزب الشيوعي الصيني تؤكد استعراض أدواته في مواجهة الضغوط الأمريكية.

ويؤكد ديلان لوه في حديثه لمجلة نيوزويك أن هذه الخطوة تحمل رسالة واضحة مفادها أن الصين ليست فقط راغبة، بل قادرة على مقاومة العقوبات التي تهدد مصالحها. وقد فرضت الولايات المتحدة مؤخرا إجراءات عقابية جديدة على شبكات تمويل إيران في شرق آسيا، بما في ذلك معاقبة وحدة من شركة بتروكيماويات هنغلي في أبريل بسبب شراء مليارات الدولارات من النفط الإيراني، وتحذير المؤسسات المالية من تسهيل هذه المعاملات.

الشرايين المالية في مصافي شاندونغ

تعكس استجابة بكين لهذه القيود استخداما منظما للأدوات البيروقراطية لمواجهة أدوات الاقتصاد الأمريكي، بما يخدم أمنها القومي حتى لو أدى إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن.

كما أصدرت الصين الأسبوع الماضي أمرا بإلغاء عقد بقيمة 2.5 مليار دولار بين شركة ميتا بلاتفورمز واستحواذها على شركة ناشئة في سنغافورة تُدعى مانوس، استنادا إلى تفسيرات أمنية غامضة. ويرى ديميان ما أن بكين ترسل رسالة واضحة بأنها مستعدة لاستخدام أدواتها المضادة لتعطيل المعادلات التجارية.

وتواجه الجهود الأمريكية الآن جدارا من المصالح المشتركة بين بكين وطهران، مدفوعا بالاحتياجات الاقتصادية والأهداف السياسية للطرفين. وقد حذرت وزارة الخزانة الأمريكية من أنها ستستخدم جميع الأدوات، بما في ذلك العقوبات الثانوية، ضد أي جهة تتعامل مع المصافي الصينية المستقلة.

وتعرف هذه المصافي الصغيرة باسم مصافي إبريق الشاي وتتمركز في مقاطعة شاندونغ، وهي تعالج الجزء الأكبر من النفط الإيراني الخاضع للعقوبات. وتقول واشنطن إن هذه المنتجات تُنقل عبر أسطول الظل الذي يوفّر لإيران شريانا ماليا حيويا.

وقد أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية منذ مارس 2025 خمس مجمعات تكرير كبيرة على القائمة السوداء بسبب انتهاك منهجي للقوانين، ومنها مجمعات شاندونغ جينتشنغ، وهبي شينهوا، وشاندونغ شينغشينغ، وشاندونغ لو تشينغ، ومصفاة هنغلي. كما طالب سياسيون من الحزبين في واشنطن بتشديد الإجراءات لسد الثغرات في نظام العقوبات.

التوتر في هرمز

أفادت الأمم المتحدة الأسبوع الماضي بأن حركة الملاحة في مضيق هرمز تراجعت بشكل كبير منذ بدء الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير. ويعد هذا الممر الاستراتيجي في أوقات السلم ممرا لنحو خمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا.

وقد ضيقت عملية 13 أبريل الأمريكية الحصار البحري على صادرات النفط الإيرانية باتجاه شرق آسيا، حيث قامت القوات الأمريكية باعتراض السفن الخارجة من الموانئ الإيرانية وإجبارها على العودة.

ورغم أن الصين تمتلك احتياطيات استراتيجية كبيرة وبدائل متعددة، فإن قطع النفط الإيراني قد يضغط على قطاعات صناعية رئيسية لديها. وقد تضطر قطاعات البناء والبتروكيماويات إلى إعادة هيكلة سلاسل الإمداد إذا استمر الوضع.

وتشير بيانات شركة كبلر لتحليل النقل إلى أن إيران توفر نحو 13% من احتياجات الصين النفطية، بينما تستوعب الصين أكثر من 90% من صادرات النفط الخام الإيراني، ما يجعلها الشريان الاقتصادي الرئيس لإيران.

وقد أعلنت واشنطن وطهران وقفا مؤقتا لإطلاق النار الشهر الماضي، لكن جولتي مفاوضات بوساطة باكستان لم تؤديا إلى اتفاق دائم، ما يشير إلى استمرار الجمود الدبلوماسي، وهو ما قد تستغله بكين كورقة تفاوض مع واشنطن قبل محادثات مايو.

تكتيكات الصين الاقتصادية

يمثل تفعيل قانون الحظر لأول مرة تحولا في السياسة الخارجية الصينية نحو نهج أكثر هجومية. وقد صمم هذا القانون عام 2021 لحماية السيادة الوطنية الصينية من ما تعتبره بكين الولاية القضائية طويلة الذراع الأمريكية.

وتسعى الصين من خلال هذه الخطوة إلى التأكيد على أن عصر الأحادية الاقتصادية قد انتهى، وأن أي ضغط على مصافيها المستقلة سيواجه برد مماثل.

وفي الخلفية، تهدد هذه التوترات التفاهم الهش الذي تم التوصل إليه في قمة أكتوبر في بوسان بكوريا الجنوبية بين الزعيمين. ومع اقتراب لقاء شي جين بينغ وترامب في منتصف مايو، يعمل الطرفان على إعادة ترتيب أوراقهما لمفاوضات صعبة.

وتسعى بكين عبر تحدي العقوبات إلى دفع واشنطن لإعادة ضبط المفاوضات قبل القمة المرتقبة. ويكشف هذا التفاعل المعقد حول أمن الطاقة العالمي عن مدى قدرة هذه التحالفات والتوترات على تحدي النظام الدولي القائم.

وكشف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن واشنطن حذرت مسبقا بنكين صينيين كبيرين بشأن تسهيل تجارة النفط الإيراني، في إطار جهود إدارة ترامب لإغلاق جميع المنافذ المالية لطهران.

ورغم ذلك، تواصل بكين الدفاع عن تجارتها مع إيران، مستندة إلى احتياجاتها الصناعية، خاصة في قطاع البتروكيماويات. وهكذا، بلغ الصراع بين مبدأ أمريكا أولا وطموحات الحزب الشيوعي الصيني ذروته في مياه هرمز وموانئ شاندونغ.

المصدر: صحيفة شرق

————————

المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

المقال السابقمن دعم مطلق إلى عبء سياسي.. لماذا يتراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل؟
المقال التاليمشروع قرار جديد بمجلس الأمن لتأمين مضيق هرمز وإيران تدعو لرفضه