شفقنا-أدى الفوز الكاسح الذي حققه حزب ريفورم اليميني في الانتخابات المحلية البريطانية إلى وضع حكومة كير ستارمر اليسارية على طريق هزيمة تاريخية. هذا التحول غير المسبوق، الذي جاء نتيجة الأزمات الاقتصادية، والفوضى على الحدود، وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، أطلق جرس النهاية للنظام الحزبي الثنائي في لندن.
فقد تمكن حزب «ريفورم» المناهض للهجرة، بقيادة نايجل فاراج، مهندس البريكست، من السيطرة على مئات المقاعد في المجالس المحلية بمختلف أنحاء بريطانيا، محققا أحد أكبر التحولات في البنية السياسية البريطانية خلال القرن الماضي.
واستطاع فاراج، من خلال وعوده بكبح الهجرة، والتخلي عن سياسات الطاقة الخضراء المكلفة، ووقف الإنفاق الحكومي غير المجدي، جذب أصوات الطبقتين العاملة والمتوسطة. ففي وقت تشهد فيه الأجور الحقيقية ركودا، وتقترب فيه الهجرة غير الشرعية من أعلى مستوياتها التاريخية، تحوّل الغضب الشعبي من حزبي العمال والمحافظين التقليديين إلى صناديق الاقتراع. وقد وصف فاراج هذه النتائج بأنها تغيير تاريخي حقيقي في السياسة البريطانية، مؤكدا أن الأفضل لم يأتِ بعد.
هذا التصويت، الذي كان يُنظر إليه عادة باعتباره تمرينا انتخابيا روتينيا لاختيار أعضاء المجالس المحلية، تحول اليوم إلى اختبار مصيري لبقاء استارمر في مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت. واعترف ستارمر بأن النتائج ألحقت به الضرر، لكنه أكد أنه لن يستقيل، متعهدا بمواصلة المعركة السياسية.
ويتعرض المدعي العام السابق، الذي بات يُعد أحد أكثر القادة البريطانيين المعاصرين افتقارا للشعبية، لضغوط متزايدة من داخل حزبه، رغم بعض التقدم المحدود في خفض التضخم وتقليص فترات انتظار المرضى في المستشفيات. ويخشى نواب حزب العمال من أن يؤدي افتقار ستارمر إلى الكاريزما وعجزه عن إنعاش الاقتصاد إلى خسارة مقاعدهم في الانتخابات العامة لعام 2029.
وتزداد مشكلات الحكومة تعقيدا مع صعود حزب الخضر، الذي حقق أفضل نتائج في تاريخه خلال الانتخابات المحلية. وفي الوقت نفسه، بدأ القاعدة الانتخابية للمسلمين، التي كانت تقليديا داعمة لحزب العمال، بالتفكك، مع توجه الأصوات نحو مرشحين يوصفون بأنهم مؤيدون لتيارات متطرفة.
وتظهر استطلاعات الرأي أن 70% من البريطانيين يقيمون أداء ستارمر بوصفه ضعيفا جدا. كما ارتفعت في الأسابيع الأخيرة تكاليف اقتراض الحكومة البريطانية، في ظل مخاوف المستثمرين من أن يؤدي مجيء قيادة أكثر يسارية إلى إغراق البلاد في مزيد من الديون لتمويل الخدمات العامة.
سقوط المعاقل التقليدية في اسكتلندا وويلز
إقالة زعيم حزب العمال ليست مهمة سهلة، إذ تتطلب دعم 20% من نواب الحزب لأي منافس يرغب في خوض السباق. وبعد ذلك، يصوت أعضاء الحزب والنقابات العمالية لاختيار الزعيم الجديد.
ويُعد برنهام، عمدة مانشستر، أبرز المرشحين المحتملين لخلافة ستارمر، لكنه ليس عضوا في البرلمان، ما يمنعه من خوض المنافسة.
وقد دافع أعضاء الحكومة عن زعيمهم عقب اتضاح حجم الخسارة، معتبرين أن الوقت غير مناسب لبدء البحث عن رئيس وزراء جديد. ومن أصل نحو خمسة آلاف مقعد محلي طُرحت للتصويت، كان حزب العمال يسيطر على 2196 مقعدا، لكنه كان في طريقه لخسارة نحو 1200 منها.
ومن المتوقع أن يسجل الحزب الحاكم أسوأ نتيجة في تاريخه في ويلز، التي تعد تقليديا معقلًا لليسار. وفي اسكتلندا، يواجه حزب العمال خطر التراجع إلى المرتبة الثالثة خلف الحزب الوطني في انتخابات البرلمان المحلي بإدنبرة.
وفي المقابل، بات حزب ريفورم، المعروف تقليديا كحزب قومي إنجليزي، يملك فرصة حقيقية لاحتلال المرتبة الثانية في اسكتلندا.
إن الصعود اللافت لحزب ريفورم حطم التوافق السياسي الذي حكم بريطانيا طوال قرن كامل، حيث ظل الفوز محصورا بين المحافظين وحزب العمال. وهذه هي المرة الأولى منذ مئة عام التي يتصدر فيها حزب ثالث استطلاعات الرأي لمدة عام كامل.
شهدت بريطانيا خلال السنوات السبع الماضية خمسة رؤساء وزراء، لكن أيا منهم لم ينجح في معالجة الأزمات الاقتصادية التي تفاقمت بسبب تداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي والاقتراض المفرط خلال جائحة كوفيد.
ثمن التساهل مع أزمة الحدود
ارتبطت فترة حكم ستارمر بسلسلة من التراجعات السياسية في قضايا كبرى وصغرى، من بطاقات الهوية الوطنية إلى ضريبة الميراث على المزارعين. ولتغطية ارتفاع الإنفاق العام، رفعت حكومة العمال الضرائب، لكن رئيس الوزراء تجنب المواجهات الصعبة، وتراجع عن خطط خفض الإنفاق الاجتماعي عقب تمرد محدود من الجناح اليساري في الحزب.
وقد أدى هذا التردد في خفض النفقات غير الضرورية إلى حرمان قطاعات حيوية، مثل تطوير القدرات الدفاعية، من استثمارات كافية.
في الوقت نفسه، ساهمت تداعيات الحرب مع إيران في إضعاف بوادر النمو الاقتصادي، ورفعت تكاليف الاقتراض الحكومي، ما عزز التوقعات بفرض ضرائب أعلى مستقبلًا.
كما أخفقت الحكومة بشكل واضح في مواجهة القضية التي تمثل الورقة الأقوى لحزب ريفورم، وهي فقدان السيطرة على الحدود. فقد سجلت أعداد المهاجرين غير الشرعيين الوافدين عبر القوارب الصغيرة من فرنسا ثاني أعلى مستوى تاريخي لها في عام 2025.
وفي المقابل، تراجعت الهجرة القانونية بشكل حاد نتيجة القيود التي فرضتها الحكومة، بعد موجة غير مسبوقة من المهاجرين خلال عهد المحافظين، حيث انخفض صافي الهجرة من مليون شخص خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في يونيو 2023 إلى 204 آلاف فقط في الفترة نفسها من عام 2025.
المصدر: صحيفة شرق
————————
المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–


