شفقنا-اختارت الصين مسارا مختلفا في تثبيت مكانتها الدولية يقوم على التحرك الهادئ طويل الأمد، مع تجنب الخطاب التصادمي والاستعراض المفرط للقوة. ومن خلال مشاريع اقتصادية كبرى مثل الحزام والطريق، إلى جانب التوسع في التكنولوجيا والإعلام والثقافة، نجحت بكين في بناء شبكات نفوذ عابرة للقارات، ما جعلها لاعبا يصعب تجاهله في معادلات الاقتصاد والسياسة العالمية.
في السنوات الأخيرة، أصبحت الصين، أكثر من أي وقت مضى، واحدة من أبرز الفاعلين في النظام الدولي. وما يميز هذا الصعود ليس فقط سرعة النمو الاقتصادي أو اتساع القدرات العسكرية، بل الصمت الاستراتيجي في أسلوب تحرك هذا البلد.
فبكين، خلافا للعديد من القوى الكبرى التي تظهر على الساحة العالمية بخطاب هجومي واستعراض علني للقوة، فضّلت تحقيق أكبر قدر من التأثير بأقل قدر من الضجيج الإعلامي، ومتابعة استراتيجية طويلة الأمد خلف مظهر هادئ.
يعتمد النمط السلوكي للصين في سياستها الخارجية على البراغماتية، وتجنب الصدام المباشر، والتركيز على المصالح الاقتصادية، واستخدام أدوات القوة الناعمة والصلبة في آن واحد، إلى جانب الصبر الاستراتيجي. وبدلا من الانخراط في مواجهات مكلفة، سعت إلى ترسيخ نفوذها من خلال خلق علاقات اعتماد اقتصادي وشبكات تعاون طويلة الأمد.
وتُعد مبادرة الحزام والطريق نموذجا واضحا لهذا النهج؛ فهي مشروع يقوم على الاستثمار في البنى التحتية للنقل والطاقة والاتصالات في عشرات الدول، ما جعل الصين شريكا اقتصاديا وسياسيا لا يمكن تجاهله بالنسبة إلى كثير من الحكومات، ومنح بكين نوعا من أدوات النفوذ غير المباشر.
إلى جانب هذا البعد الاقتصادي، استثمرت الصين خلال العقد الماضي بشكل واسع في القوة الناعمة. ويشمل ذلك التوسع في المؤسسات الثقافية، والحضور النشط لوسائل الإعلام الصينية الدولية، وتطوير التقنيات الرقمية، وتصدير المنتجات الثقافية والتكنولوجية، باعتبارها جزءا من هذه الاستراتيجية.
كما تحولت العلامات التجارية التكنولوجية الصينية، من شركات معدات الاتصالات إلى المنصات الرقمية، إلى أدوات لترسيخ صورة الصين بوصفها دولة مبتكرة وتتطلع إلى المستقبل.
في الوقت نفسه، تؤكد الرواية الرسمية لبكين على التنمية من دون تدخل، وعلى التعاون المربح للطرفين، وهي سردية تتمتع بجاذبية ملحوظة لدى العديد من الدول النامية التي سئمت من أنماط القوة التقليدية، وتقدم بديلا عن النماذج الغربية.
لكن قوة الصين لا تقتصر على المجال الناعم فقط، إذ تتبع البلاد برنامجا واسعا وهادئا لتحديث قدراتها العسكرية؛ من خلال زيادة الميزانية الدفاعية، وتطوير الأسطول البحري، والاستثمار في التقنيات العسكرية الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية، والأنظمة الفضائية، وكل ذلك يعكس رؤية بعيدة المدى لدى بكين تجاه توازن القوى العالمي.
ومع ذلك، غالبا ما تتجنب الصين الاستعراض المفرط للقوة العسكرية، وتسعى إلى الحفاظ على صورة الفاعل المسؤول وصانع الاستقرار. وهذه الازدواجية، المتمثلة في تعزيز القوة الصلبة بشكل متواصل في الخلفية، مع التركيز على التعاون والتنمية في الواجهة، تشكل جوهر الصمت الاستراتيجي الصيني. وهذا الصمت لا يعني الجمود أو السلبية، بل يمثل إدارة واعية للإدراك العالمي.
لقد أدركت بكين أنه في عصر الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، قد تصبح الروايات والخطابات بقدر أهمية القوة العسكرية. ولهذا، فإن التحرك التدريجي، الهادئ، والمحسوب، أتاح للصين تثبيت موقعها في النظام الدولي من دون خلق إجماع عالمي قوي ضدها.
وفي الوقت ذاته، تحاول البلاد، من خلال تجنب الخطاب التصادمي الصريح، تقليل الكلفة السياسية والأمنية لصعودها. واستنادا إلى الاتجاهات الحالية، تشير آفاق القوة الصينية خلال السنوات المقبلة إلى أن بكين ستؤدي على الأرجح دورا أكبر في صياغة القواعد الاقتصادية والتكنولوجية العالمية، كما ستعمل على تصعيد المنافسة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة مثل أشباه الموصلات، والطاقة الجديدة، والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى توسيع نفوذها في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية عبر التعاون في البنى التحتية والاستثمارات، مع مواصلة تجنب الانخراط في مواجهات عسكرية واسعة النطاق.
ومع ذلك، فإن تحديات مثل احتمال تباطؤ النمو الاقتصادي، والتحولات الديموغرافية، والمنافسات الجيوسياسية، والضغوط التكنولوجية، قد تؤثر في مسار صعود هذا البلد، وتمثل اختباراً جدياً لمرونة نموذج الصمت الاستراتيجي الذي تتبعه الصين.
إن الصين اليوم لا تتحرك بالصراخ، بل عبر التخطيط طويل الأمد، والاستفادة المتزامنة من القوة الناعمة والصلبة، والتحرك المدروس لتثبيت وتعزيز مكانتها في النظام الدولي.
فالصمت الاستراتيجي الصيني هو في الحقيقة لغة خاصة من لغات القوة؛ لغة تقوم، بدلا من الضجيج، على الاستمرارية، والنفوذ التدريجي، وبناء شبكات الاعتماد المتبادل. وإذا استمر هذا المسار، فقد تشهد العقود المقبلة ترسيخ الصين بوصفها أحد الأعمدة الرئيسية للنظام العالمي؛ قوة ربما تتحدث أقل، لكنها تؤثر أكثر.
المصدر: موقع ديبلماسي إيراني
————————
المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–


