شفقنا- عزى ممثل المرجعية العليا في اوربا السيد مرتضى الكشميري العالم الاسلامي بشهادة تاسع ائمة المسلمين (ع)،قائلا،لقد رحل الامام الجواد (ع) جسدا لكنه بقي حيا في ضمير الامة لما تركه من علم وهداية وسيرة عطرة ، وان اقل ما يمكن ان نقدمه في هذه الذكرى الحزينة هي ان نحيي امره (ع) ونسير على خطاه ونجعل من مسيرة حياته منارا نقتدي به في هذا العصر
وقال في كلمة القاها في مركز اهل البيت (ع) في ليدز بذكرى استشهاد الامام الجواد (ع) : تحيي المؤسسات والمراكز ذكراه الحزينة وتستفيد من سيرته العطرة المليئة بالعضات والعبر لتكون لهم طريق هداية واصلاح في حاضرهم ومستقبلهم في اسرهم وانفسهم ممن غابت عنهم سيرة هؤلاء القادة للدين، خصوصا شريحة من الشباب الذين اصبحوا يحفظون تاريخ رموز التوافه في حين يجهلون تاريخ ائمتهم (ع) الذين امرنا بالتمسك بهم لقول رسول الله (ص) (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض).
وفي هذه المناسبة الحزينة التي تمر بنا نقتبس بعض المحطات المضيئة من محطات الامام (ع)
اولا: بشارة المولد
ولد الإمام الجواد (ع) في المدينة المنورة سنة ١٩٥ هـ، وهو ابن الإمام علي بن موسى الرضا (ع) وقد لقب بـ(الجواد) لكرمه وسخائه، وبـ (التقي) و (المرتضى) لسمو أخلاقه وتقواه.
عاش في كنف أبيه الإمام الرضا (ع) فترة قصيرة، إذ لم يتجاوز عمره عند استشهاد أبيه ثماني سنوات، وهنا بدأت مرحلة استثنائية في تاريخ الإمامة، حيث تصدى لمنصب الإمامة وهو في هذا السن المبكر.
وقد أثار هذا الأمر تساؤلات واعتراضات من بعض الناس، لكن الإمام الجواد (ع) أثبت لهم موقعه الرباني من خلال علمه وحكمته أنه الحجة الإلهية، وأن الإمامة منصب إلهي لا يخضع لمقاييس البشر المعتادة فكان يجيب على أعقد المسائل الفقهية والكلامية، ويناظر كبار العلماء، حتى أقر له الجميع بالفضل.
ثانيًا: الإمامة المبكرة ودلالاتها
إن تولي الإمام الجواد (ع) للإمامة في سن مبكرة يحمل دلالات عميقة، أبرزها التأكيد على أن الإمامة منصب إلهي يُعطى لمن يشاء الله، كما في قصة الله قصة نبي عيسى (ع) الذي تكلم في المهد، وقد واجه الإمام (ع) تحديًا كبيرًا في إثبات إمامته، لكن مناظراته العلمية، لا سيما مع قاضي القضاة يحيى بن أكثم ، كشفت عن عمق علمه وسعة معرفته.
لقد شكّلت هذه المرحلة درسًا مهمًا للمؤمنين، مفاده أن الحق لا يُقاس بالأعمار ولا بالمظاهر، بل بما يحمله الإنسان من علم وهداية. كما أن هذه التجربة عززت من وعي الأمة تجاه مفهوم الإمامة، وأثبتت أن الإمام مؤيد من الله تعالى مهما كانت الظروف.
ثالثًا: دوره العلمي والتربوي
رغم قصر عمره الشريف، ترك الإمام الجواد (ع) تراثًا علميًا غنيًا، تمثل في الأحاديث والروايات التي نقلها عنه أصحابه، والتي تناولت مختلف جوانب الحياة من الفقه إلى الأخلاق و من العقيدة إلى السلوك . وقد ركّز الإمام على تربية جيل واع قادر على مواجهة الانحرافات الفكرية والسياسية.
ومن كلماته النورانية (المؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال توفيق من الله، وواعظ من نفسه، وقبول ممن ينصحه)، وهي كلمات تختصر منهجًا تربويا متكاملا، يجمع بين البعد الإلهي والذاتي والاجتماعي.
كما كان الإمام (ع) حريصا على نشر العلم بين الناس، وتشجيع طلابه على التفقه في الدين ومواجهة الشبهات بالحجة والدليل. وقد تخرج على يديه عدد من العلماء والرواة الذين نقلوا علومه إلى الأجيال اللاحقة.
رابعًا: موقفه من السلطة العباسية
عاش الإمام الجواد (ع) في ظل حكم الدولة العباسية، التى كانت تنظر إلى الأئمة بعين الريبة والخوف، لما يمثلونه من تهديد فكري وروحي لسلطتهم وقد حاول الخليفة المأمون العباسي احتواء الإمام من خلال تزويجه بابنته أم الفضل في محاولة لإضفاء شرعية على حكمه، ومراقبة تحركات الإمام.
لكن الإمام (ع) لم ينخدع بهذه السياسة، بل حافظ على استقلاله واستمر في أداء دوره الرسالي. وبعد وفاة المأمون، جاء المعتصم العباسي، الذي اشتد في تضييقه على الإمام، حتى دس له السم، فاستشهد (ع) سنة ٢٢٠هـ، عن عمر لا يتجاوز ٢٥ عامًا.
خامسا: دروس وعبر من سير
إن سيرة الإمام الجواد (ع) تحمل في طياتها العديد من الدروس التي يحتاجها الإنسان المعاصر، ومنها:
• أهمية العلم والمعرفة : فقد كان الإمام مثالاً للعالم الرباني، الذي يجمع بين العلم والعمل، ويستخدم علمه في خدمة الدين والإنسان.
• الثبات على المبادئ: رغم الضغوط السياسية، لم يتنازل الإمام عن مبادئه، بل بقي ثابتًا على الحق، مدافعا عن القيم الاسلامية.
• الوعي المبكر: تجربة الإمام في تولي الإمامة في سن صغيرة تعلمنا أن الشباب قادرون على تحمل المسؤولية إذا ما أُحسن إعدادهم.
• الزهد والتقوى كان الإمام يعيش حياة بسيطة، بعيدًا عن مظاهر الترف، رغم قربه من بلاط الخلافة، مما يعكس عمق تقواه وزهده.
• مواجهة الانحراف بالحكمة: لم يكن الإمام يستخدم العنف في مواجهة خصومه، بل كان يعتمد على الحوار والمناظرة مما يدل على سمو أخلاقه.
سادسا: إحياء الذكرى وأثرها في النفوس
إن إحياء ذكرى استشهاد الإمام الجواد (ع) ليس مجرد مناسبة تاريخية، بل هو فرصة لتجديد العهد مع مبادئه واستلهام الدروس من حياته.
فالمجالس التي تقام في هذه المناسبة، والخطابات التي تلقى والدموع التي تُذرف، كلها تعبير عن الارتباط العميق بأهل البيت (ع)، وتجديد للولاء لهم.
كما أن هذه الذكرى تدعونا إلى مراجعة أنفسنا والتساؤل هل نحن نسير على نهج الإمام؟ هل نتمثل أخلاقه في حياتنا؟ هل نحمل هم الدين كما كان يحمله؟
رحل الإمام الجواد (ع) جسدًا، لكنه بقي حيًا في ضمير الأمة، بما تركه من علم وهداية وسيرة عطرة. وإن أقل ما يمكن أن نقدمه في هذه الذكرى هو أن تحيي أمره، ونسير على خطاه، ونجعل من حياته منارًا نهتدي به في ظلمات هذا العصر.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا شفاعته، وأن يجعلنا من السائرين على نهجه والمتمسكين بولايته إنه سميع مجيب.
والحمد لله رب العالمين.
انتهى


