هل يحسم العرب والمسلمون انتخابات فرنسا المقبلة؟

شفقنا- لم تعد الانتخابات الرئاسية في فرنسا مجرد منافسة دورية بين برامج اقتصادية واجتماعية متباينة، بل تحولت تدريجيا إلى ساحة اختبار تاريخية لهوية الجمهورية الفرنسية نفسها.

ففي ظل التراجع المستمر للأحزاب التقليدية، وصعود التيارات الشعبوية، وتنامي الوزن الديمغرافي والسياسي للعرب والمسلمين، تتشكل معادلة جديدة قد تجعل الاستحقاق الرئاسي المقبل مواجهة غير مسبوقة بين مشروعين متناقضين: مشروع يساري تعددي يجد في جان لوك ميلونشون أبرز ممثليه، ومشروع قومي محافظ يتجسد في صعود التجمع الوطني الذي رسخته مارين لوبان طوال العقدين الماضيين.

ضمن هذه المعادلة، يبرز سؤال لم يعد هامشيا في الحياة السياسية الفرنسية: هل بات العرب والمسلمون يمثلون قوة انتخابية قادرة على التأثير المباشر في تحديد هوية ساكن قصر الإليزيه؟

وإذا وجدت فرنسا نفسها في الدور الثاني أمام مرشح تدعمه بقوة أصوات الضواحي والجاليات المسلمة في مواجهة مرشح من اليمين المتطرف، فكيف سيتعامل المجتمع الفرنسي مع هذا التحول؟ وهل سيكون ذلك دليلا على نضج الجمهورية وقدرتها على استيعاب تنوعها، أم لحظة انفجار لهواجس الهوية التي تراكمت خلال العقود الأخيرة؟

من هامش الجمهورية إلى قلب القرار

ظل العرب والمسلمون في فرنسا لعقود طويلة موضوعا للنقاش السياسي أكثر من كونهم فاعلين فيه. جرى الحديث عنهم في سياق الهجرة والاندماج والعلمانية والأمن، لكن تأثيرهم المباشر في صناديق الاقتراع كان محدودا؛ بسبب ضعف التنظيم السياسي، وتشتت الأصوات، وتراجع الثقة في النخب الحزبية.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولا تدريجيا في هذا الواقع. فقد نشأت أجيال جديدة من الفرنسيين المنحدرين من أصول عربية وأفريقية تعتبر نفسها جزءا أصيلا من المجتمع الفرنسي، وتمتلك وعيا سياسيا متزايدا بحقها في التأثير والمشاركة.

ومع تكرار الأزمات المرتبطة بالتمييز والهوية والسياسات الخارجية، أصبحت قطاعات واسعة من هذه الفئات أكثر ميلا إلى التصويت الواعي والمنظم.

لم يعد صوت الضواحي مجرد رد فعل احتجاجي، بل تحول إلى كتلة انتخابية يحسب لها حساب، خصوصا في المدن الكبرى مثل باريس وليون ومارسيليا وليل. وفي نظام انتخابي يمكن أن تحسم فيه النتائج بفوارق محدودة، يصبح لأي كتلة منضبطة تأثير بالغ في إعادة رسم المشهد السياسي.

ميلونشون وفهم التحول الديمغرافي

من بين السياسيين الفرنسيين المعاصرين، يبدو جان لوك ميلونشون الأكثر قدرة على قراءة التحولات الاجتماعية والثقافية التي تعرفها فرنسا. فقد أدرك مبكرا أن مستقبل السياسة الفرنسية لن يتحدد فقط في الأحياء البورجوازية التقليدية، بل أيضا في الضواحي متعددة الأصول والثقافات.

اعتمد ميلونشون خطابا يجمع بين الدفاع عن العدالة الاجتماعية، ومناهضة التمييز، وانتقاد السياسات الخارجية الغربية، وإبداء مواقف أكثر توازنا تجاه القضايا العربية والإسلامية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. هذا التوجه منحه تعاطفا واسعا لدى شرائح شعرت طويلا بأنها مستبعدة من التمثيل السياسي الحقيقي.

لكن قوة ميلونشون لا تكمن فقط في كسب أصوات الأقليات، بل في قدرته على تحويل هذه الأصوات إلى جزء من مشروع سياسي أوسع يسعى إلى إعادة تعريف الجمهورية على أساس المواطنة الاجتماعية والتعددية الثقافية، بدلا من الانغلاق الهوياتي.

اليمين المتطرف وإستراتيجية الخوف

في المقابل، نجح التجمع الوطني في بناء سردية مضادة تقوم على فكرة أن فرنسا تواجه تهديدا ثقافيا وديمغرافيا يهدد هويتها التاريخية. وتستند هذه الرؤية إلى الربط بين الهجرة والإسلام والأمن وتراجع الدولة الاجتماعية.

لقد تطور اليمين المتطرف من خطاب احتجاجي هامشي إلى قوة سياسية منظمة وقادرة على الوصول إلى ملايين الناخبين من الطبقة الوسطى والريفية والعمالية. ومع تزايد الشعور بعدم اليقين الاقتصادي والثقافي، أصبحت أطروحاته أكثر قبولا لدى قطاعات ترى في التحولات الديمغرافية تحديا لمفهومها التقليدي لفرنسا.

في هذا السياق، تتحول الانتخابات إلى ما يشبه استفتاء حضاريا بين تصورين متعارضين للجمهورية: فرنسا المنفتحة متعددة الهويات، وفرنسا التي تسعى إلى إعادة تثبيت مرجعيتها الثقافية الصلبة.

إذا أصبح العرب بيضة القبان

السيناريو الأكثر إثارة يتمثل في وصول مرشح مدعوم بقوة من العرب والمسلمين إلى الدور الثاني في مواجهة مرشح من اليمين المتطرف. عندها لن تكون القضية مجرد أرقام انتخابية، بل ستتحول إلى حدث رمزي عميق الدلالة.

سيجد جزء من الفرنسيين في هذا المشهد دليلا على نجاح النموذج الجمهوري الذي أتاح لمواطنين من أصول مهاجرة التأثير في أعلى مستويات القرار. في المقابل، قد يراه آخرون مؤشرا على تغير موازين القوة داخل المجتمع، بما يضاعف المخاوف والهواجس المتعلقة بالهوية والانتماء.

لكن القراءة الأكثر اتزانا تشير إلى أن هذا التطور لا يمثل خروجا عن الجمهورية، بل تجسيدا طبيعيا لمنطق الديمقراطية الحديثة؛ فالمواطنة لا تقاس بالأصول العرقية أو الدينية، بل بالمشاركة السياسية واحترام القانون والمؤسسات.

فرنسا أمام اختبار نفسي وسياسي

تكمن أهمية هذا السيناريو في أنه يضع المجتمع الفرنسي أمام سؤال وجودي: هل تستطيع الجمهورية قبول أن يكون المواطنون المنحدرون من أصول عربية وإسلامية جزءا من القوة التي تحدد مستقبل الدولة، أم إن اندماجهم يظل مقبولا فقط ما دام محصورا في المجال الاجتماعي والاقتصادي دون أن يتحول إلى نفوذ سياسي ملموس؟

هذا السؤال يتجاوز الانتخابات نفسها ليطال جوهر الفكرة الجمهورية. فإذا كانت فرنسا تؤمن فعلا بالمساواة بين مواطنيها، فإن مشاركة العرب والمسلمين في صناعة القرار يجب أن تنظر إليها باعتبارها تطورا طبيعيا، لا تهديدا كامنا.

أما إذا استقبل هذا التحول بقلق مفرط أو رفض ضمني، فإن ذلك سيكشف عن فجوة عميقة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية.

الحرب في غزة وإعادة تشكيل الوعي السياسي

ساهمت الحرب على غزة في تعميق التحول السياسي داخل شرائح واسعة من الناخبين العرب والمسلمين في فرنسا. فقد شعر كثيرون بأن المواقف الرسمية الأوروبية لم تعبر بصورة كافية عن حجم المأساة الإنسانية، الأمر الذي دفعهم إلى إعادة تقييم خياراتهم السياسية والبحث عن أصوات أكثر انسجاما مع حساسياتهم الأخلاقية والإنسانية.

في هذا السياق، استفاد خطاب جان لوك ميلونشون من قدرته على التعبير عن مواقف ناقدة للسياسات الإسرائيلية وأكثر قربا من الرأي العام المتعاطف مع الفلسطينيين. ولم يعد التصويت هنا مجرد اختيار حزبي، بل تحول إلى تعبير عن رؤية أوسع لدور فرنسا في العالم ولمعنى العدالة الدولية.

نهاية الثنائية التقليدية

شهدت الحياة السياسية الفرنسية لعقود تناوبا بين اليمين الجمهوري والاشتراكيين. بيد أن هذا النظام فقد تدريجيا قدرته على استيعاب التحولات الاجتماعية. ومع تآكل الأحزاب التقليدية، برزت قوى جديدة أكثر ارتباطا بالأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والسيادة والعدالة الاجتماعية.

في هذا الفراغ، ظهرت فرنسا الأبية باعتبارها محاولة لإعادة بناء يسار جماهيري جديد، فيما رسخ اليمين المتطرف موقعه باعتباره التعبير الأكثر تنظيما عن القلق الهوياتي. وبذلك، لم يعد الصراع بين يسار ويمين بالمعنى الكلاسيكي، بل بين تصورين لمستقبل الأمة الفرنسية.

هل يمكن أن يفوز ميلونشون؟

سيظل وصول جان لوك ميلونشون، أو أي شخصية قريبة من خطه السياسي، إلى الإليزيه رهينا بقدرته على توسيع قاعدته الانتخابية خارج الضواحي والأوساط الشبابية واليسارية التقليدية. فالعرب والمسلمون قادرون على ترجيح الكفة، لكنهم لا يشكلون وحدهم أغلبية كافية للحسم.

غير أن أهميتهم تكمن في كونهم كتلة قادرة على توفير الزخم اللازم لبلوغ الدور الثاني، وعندها تصبح المعركة مفتوحة على احتمالات واسعة، خصوصا إذا نجح المرشح اليساري في استقطاب الناخبين الوسطيين والبيئيين والعماليين.

ما بعد الانتخابات: ولادة فرنسا جديدة

سواء فاز ميلونشون أو لم يفز، فإن التحول الأهم يتمثل في دخول العرب والمسلمين مرحلة جديدة من الحضور السياسي المنظم. لم يعودوا مجرد موضوع للجدل الإعلامي، بل أصبحوا فاعلين حقيقيين في إعادة تشكيل التوازنات الوطنية.

هذا التطور لا يعني قيام “تصويت طائفي” بالمعنى الضيق، بل يعكس انتقال فئات واسعة من موقع الدفاع عن الوجود إلى موقع المشاركة في تحديد الخيارات الكبرى للدولة. وفي الديمقراطيات الناضجة، يشكل هذا الانتقال مؤشرا على الحيوية السياسية لا على الانقسام.

الجمهورية أمام لحظة الحقيقة

قد تحمل الانتخابات الرئاسية المقبلة في فرنسا لحظة رمزية فارقة، حين يجد الناخب الفرنسي نفسه أمام خيار بين مشروع يسعى إلى توسيع مفهوم المواطنة الجمهورية، وآخر يراهن على الانكماش الهوياتي واستثمار المخاوف الجماعية.

في تلك اللحظة، لن يكون السؤال الحقيقي من يسكن الإليزيه فحسب، بل أي فرنسا تريدها الأغلبية: فرنسا القلقة من تنوعها، أم فرنسا الواثقة من قدرتها على تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة تاريخية؟

إن صعود جان لوك ميلونشون، وتزايد وزن العرب والمسلمين، واستمرار قوة اليمين المتطرف، كلها مؤشرات على أن فرنسا تقف أمام إعادة تشكل سياسية عميقة قد تعيد تعريف العلاقة بين الهوية والديمقراطية والمواطنة.

قد لا يكون العرب والمسلمون قادرين وحدهم على اختيار الرئيس الفرنسي، لكنهم أصبحوا بلا شك جزءا من المعادلة التي لا يمكن تجاهلها. وهذا في حد ذاته يعكس تحولا تاريخيا من موقع الهامش إلى موقع التأثير.

وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل فرنسا لن يتحدد بقدرتها على مقاومة تنوعها، بل بقدرتها على استيعابه ضمن مشروع جمهوري متجدد يظل وفيا لقيم الحرية والمساواة والأخوة.

*بوستة مسعود- الجزيرة

انتهى

المقال السابقالخارجية الإيرانية ترد على الاتهامات الواهية للمستشار الألماني
المقال التاليتراجع حاد وملحوظ في صادرات العراق النفطية خلال الأشهر الأولى من عام 2026