شفقنا-أثارت زيارة دونالد ترامب، إلى بكين يومي 14 و15 مايو موجة واسعة من التغطيات الإعلامية والروايات المتباينة. فاللقاء بين ترامب وشي جين بينغ في بكين، والذي جرى بعد سبع سنوات، رافقته تفسيرات وتأويلات مختلفة.
ترامب، الذي يختزل السياسة في صناعة الصورة اللحظية والنجاح الشخصي، وصف الزيارة بأنها ناجحة للغاية. كما لفتت الجوانب الرمزية والاستعراضية للزيارة الانتباه، خصوصا حضور مسؤولي الشركات الأمريكية الكبرى ضمن الوفد الأمريكي، إضافة إلى بعض التصرفات غير اللائقة من أعضاء الوفد، والتي أثارت جدلا إعلاميا واسعا.
وحاول بعض المحللين تقديم الزيارة باعتبارها مرتكزة على إيران، فيما عمد آخرون، بحسب توجهاتهم الفكرية، إلى إبراز فكرة التفاهمات الخفية بين القوتين العالميتين. لكن بعيدا عن هذه القراءات والانشغال بالصور اللحظية، يبرز سؤال أساسي: ما طبيعة العلاقة بين الصين والولايات المتحدة، وما أثرها على الاستقرار الدولي؟
تكمن أهمية هذا السؤال في أن الولايات المتحدة تمثل القوة العالمية المهيمنة، بينما تعد الصين قوة صاعدة تتقدم بثبات على سلم القوة الدولية. ويظهر التاريخ الطويل للعلاقات الدولية أن مثل هذه الحالات، حيث تواجه قوة راسخة قوة صاعدة، غالبا ما تجعل الاستقرار الدولي عرضة للتحديات.
ولهذا السبب تحظى العلاقة الثنائية بين أمريكا والصين بحساسية خاصة من زاوية الاستقرار العالمي. وللإجابة عن هذا السؤال الاستراتيجي وعلاقته بزيارة ترامب الأخيرة إلى بكين، ينبغي أولا تحديد الوقائع، ثم التوقف عند الرؤى المتعلقة بالاستقرار الدولي، وأخيرا تقييم التفاعلات المتبادلة خلال هذه الزيارة.
أسس وطبيعة القوة
تشير الأحداث الدولية إلى أن الولايات المتحدة والصين تتصدران هرم القوة العالمية، ورغم اختلاف أسس وطبيعة القوة لدى كل منهما، فإن الصين عززت تدريجيا وعلى مدى عقود قوتها الشاملة في مختلف المجالات، وأصبحت ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم.
وعلاوة على ذلك، فقد عززت الصين قدراتها العسكرية ووصلت إلى مرحلة إنتاج وتشغيل ما لا يقل عن أربع حاملات طائرات. كما أنها أدت دورا دبلوماسيا ناجحا على المستويين الثنائي والمتعدد الأطراف.
ومن اللافت أنه خلال العقود الثلاثة التي أعقبت انهيار النظام ثنائي القطبية، انخرطت الولايات المتحدة في حروب اختارتها بنفسها، خصوصا في الشرق الأوسط، ما جعلها تعرف بوصفها قوة مدمرة، بينما انشغلت الصين خلال الفترة نفسها ببناء قدراتها وتجنبت الانخراط في الصراعات، مقدمة نفسها كقوة بناءة.
ثانيا، شهدت العلاقات الصينية ـ الأمريكية خلال الأعوام الخمسة والخمسين الماضية الكثير من التقلبات، إلا أن اقتصادَي البلدين أصبحا متداخلين بشدة، بحيث بات فصلهما أمرا شبه مستحيل.
وفي العقد الأخير، تحدث الاستراتيجيون الأمريكيون عن مفهوم فك الارتباط الاقتصادي بين الصين وأمريكا، إلا أن التطبيق العملي أظهر استحالة تحقيق فك ارتباط كامل، ما دفع واشنطن إلى التركيز على فك الارتباط في المجالات الاستراتيجية، وهو أمر واجه بدوره تحديات كبيرة.
ثالثا، إن النمو الاقتصادي الصيني، إلى جانب قرار قيادته السياسية بتجنب الصدام مع الولايات المتحدة والاستفادة من الفرص الاقتصادية التي توفرها، ارتبط بفهم استراتيجي ساد داخل أمريكا مفاده أن تعميق الانخراط الاقتصادي مع الصين سيؤدي في النهاية إلى تغيير النظام السياسي الصيني من الداخل وإنهاء هيمنة الحزب الشيوعي.
التوتر والصراع
لكن ما حدث عمليا هو أن الصين لم تحافظ فقط على نظامها السياسي، بل عززته، مع استمرار نموها الاقتصادي. ونتيجة لذلك، تحولت الصين إلى قوة عالمية تمتلك طموحات دولية، وهو ما يتعارض مع الرؤى السائدة في الولايات المتحدة.
وهنا تظهر اتجاهات متعددة بشأن طبيعة هذه العلاقة ومستقبلها. فهناك رؤية جادة تعتبر أن التوتر والصراع بين القوة المهيمنة عالميا (الولايات المتحدة) والقوة الصاعدة (الصين) أمر محتمل.
ويعد جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية الأمريكي وصاحب نظرية مأساة القوى الكبرى، من أبرز من يتبنون هذا الطرح. فبعد دراسته لعدة حالات تاريخية تتعلق بصعود قوى جديدة في مواجهة قوى قائمة، ومن منظور الواقعية الهجومية، يرى أن التنافس بين الصين وأمريكا بالغ الخطورة.
وقد استند ميرشايمر إلى أمثلة تاريخية مثل بريطانيا في مواجهة فرنسا النابليونية، وبريطانيا في مواجهة الإمبراطورية الألمانية، والولايات المتحدة في مواجهة الإمبراطورية اليابانية، والعلاقات الأمريكية ـ السوفييتية، ليؤكد أن التوتر بين واشنطن وبكين يبدو منطقيا في ضوء التجارب التاريخية.
كما يستند هو وآخرون إلى مفهوم فخ ثيوسيديدس، المستمد من الحروب البيلوبونيسية بين أثينا وإسبرطة قبل نحو ثلاثة آلاف عام، حيث أدى خوف القوة الصاعدة (إسبرطة) من القوة القائمة (أثينا) إلى حرب استمرت أكثر من عقدين.
وبالطبع، توجد رؤى أخرى. فبعض المتشددين الأمريكيين المعادين للصين يدعون إلى منع صعودها بأي وسيلة، بما في ذلك تغيير النظام في بكين. وفي الصين نفسها، يمكن ملاحظة اتجاهين متوازيين: الأول يدعو إلى تعزيز الجاهزية العسكرية، والثاني يشدد على ضرورة تجنب التوتر العسكري والحفاظ على الإنجازات الاقتصادية.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن ما جرى خلال زيارة ترامب إلى بكين يعد مهما للغاية، خصوصا تصريح شي جين بينغ بعد لقائه الأول مع ترامب، عندما قال: إذا أردنا ألا نقع في فخ ثيوسيديدس، فعلينا إدارة العلاقات بحكمة.
ويكتسب هذا التصريح أهمية خاصة، ولا سيما إذا أخذنا في الاعتبار أن شي نفسه شدد على أهمية تايوان بالنسبة للصين.
ويجمع خبراء العلاقات الدولية على أن زيارة ترامب إلى بكين لم تحدث تحولا جوهريا في بنية العلاقات الصينية ـ الأمريكية، وأن الخلافات لا تزال عميقة.
لكن ما حققته الزيارة هو إدارة التوتر. فالصينيون يسعون إلى الاستقرار الاستراتيجي، بينما تتحرك الولايات المتحدة، خاصة في عهد ترامب، بطريقة متقلبة. وقد أسهمت هذه الزيارة إلى حد ما في إدخال قدر من الاستقرار والقدرة على التنبؤ إلى العلاقة الثنائية بين واشنطن وبكين.
المصدر: صحيفة اطلاعات
————————
المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–


