الصين تعيد تشكيل النظام الدولي: بكين من عاصمة آسيوية إلى مركز الدبلوماسية العالمية

شفقنا-يمر النظام الدولي بمرحلة انتقال جيوسياسي؛ انتقال من عالم تشكل بعد الحرب الباردة بزعامة الولايات المتحدة، إلى نظام تتوزع فيه القوة بين عدد من اللاعبين، بحيث لا تعود أي قوة قادرة وحدها على تحديد قواعد اللعبة. وفي مثل هذه الأجواء، وصلت الصين تدريجيا إلى موقع بات فيه قادة العالم من الخصوم التاريخيين إلى الشركاء الاقتصاديين وحتى المنتقدين الغربيين، يلجأون إليها من أجل الحوار وإدارة الأزمات وتنظيم علاقات القوة. ولم تعد بكين مجرد عاصمة آسيوية؛ بل تحولت إلى الساحة الرئيسية للدبلوماسية العالمية.

وتعد الزيارة الأخيرة لترامب إلى الصين، التي جرت في خضم تصاعد التوترات بين واشنطن وبكين، مؤشرا واضحا على هذا التحول في موازين القوى. ويرى محللون غربيون أن هذه الزيارة تمثل دلالة على صعود شي جين بينغ وهبوب رياح القوة باتجاه الصين. وحتى الولايات المتحدة نفسها باتت مضطرة للرجوع إلى بكين من أجل إدارة التنافس ومنع تفاقم الأزمات. إن مجرد قيام رئيس الولايات المتحدة بزيارة الصين لإعادة ترتيب العلاقات، يعكس حجم التحولات العميقة في بنية القوة العالمية؛ تحول أصبحت فيه الصين ليست مجرد قوة اقتصادية، بل لاعبا سياسيا ودبلوماسيا حاسما.

وبعد أيام قليلة فقط من هذه الزيارة، وصل بوتين إلى بكين؛ وهي زيارة كانت مخططة منذ فترة طويلة، إلا أن تزامنها مع زيارة ترامب أثار موجة من التكهنات. وقد اعتبر كثيرون هذا التزامن مؤشرا على الدور الجديد للصين: استضافة خصمين عالميين كبيرين في وقت واحد.

 فروسيا، بعد حرب أوكرانيا، أصبحت أكثر اعتمادا على الصين من أي وقت مضى، كما أن توقيع أكثر من 40 اتفاقية في مجالي الطاقة والتكنولوجيا خلال هذه الزيارة أظهر كيف تستفيد بكين من هذا الاعتماد. 

الصين تحصل على طاقة رخيصة ومضمونة، وفي المقابل تحول روسيا إلى شريك أصغر وأكثر تبعية. وهذه العلاقة، رغم مظهرها كشراكة استراتيجية، تعكس عمليا اختلالا في توازن القوى الذي بدأ يتشكل في النظام العالمي الجديد.

لكن بكين لا تستضيف القوى الكبرى فقط؛ فزعماء الدول النامية باتوا يتخذون الصين بشكل متزايد وجهة رئيسية لمشاوراتهم. إن زيارة نواز شريف، رئيس وزراء باكستان، وغيره من القادة الآسيويين والأفارقة إلى بكين، تظهر أن الصين تحولت إلى مركز ثقل جديد لدول الجنوب العالمي. 

باكستان، التي تواجه أزمة اقتصادية وضغوطا أمنية، ترى في الصين ليس فقط شريكا اقتصاديا، بل سندا سياسيا. وقد دفعت مشاريع الحزام والطريق الضخمة، والاستثمارات في البنى التحتية، والدعم المالي الصيني، كثيرا من القادة إلى الاقتناع بأن مستقبل التنمية الوطنية في بلدانهم لم يعد قابلا للتصور من دون الصين.

ولا يقتصر هذا المسار على دول الجنوب العالمي فقط. ففي العام الماضي، توجه عدد كبير من القادة الأوروبيين والغربيين، وكذلك قادة الدول العربية، تباعا إلى بكين. فقد زار رئيس وزراء بريطانيا، الصين في الأشهر الأولى من توليه منصبه بهدف إعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية والأمنية. كما توجّه ماكرون، إلى بكين على رأس وفد كبير من المديرين الصناعيين، سعيا من جهة إلى تقليل اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى إلى منع تصاعد المنافسة الاقتصادية مع الصين.

 أما المستشار الألماني، فقد حاول خلال زيارته المهمة إلى بكين الحفاظ على التوازن بين المخاوف الأمنية والاحتياجات الصناعية لألمانيا. كما زار قادة إيطاليا وإسبانيا وهولندا والاتحاد الأوروبي الصين تباعا خلال العام الماضي. ويظهر هذا الحجم من التحركات الدبلوماسية أن الغرب نفسه لم يعد قادرًا على تجاهل دور الصين في الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وإدارة الأزمات.

وفي هذا السياق، تكتسب زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى الصين العام الماضي أهمية خاصة. فقد اقتربت طهران من بكين في وقت أدت فيه الضغوط الأمريكية والتطورات الإقليمية، ومنها الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، إلى تعقيد المعادلات الأمنية. والصين، باعتبارها أكبر مستورد للطاقة في العالم، ترى أن استقرار الخليج وبقاء مضيق هرمز مفتوحا يمثلان مسألة حيوية لأمنها الطاقوي. 

ولذلك فإن بكين لا ترحب بتصعيد الحرب، بل تسعى بنشاط إلى خفض مستوى التوترات. وتعد الوساطة الصينية الناجحة بين إيران والسعودية مثالا واضحا على هذا النهج، كما يمكن فهم الزيارة الأخيرة لعباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، إلى بكين ضمن هذا الإطار: محاولة لتعزيز التنسيق مع قوة باتت تضطلع اليوم بدور الوسيط والمنظم للأزمات.

وعلى مستوى أوسع، تسعى كل من الصين وروسيا إلى تقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة والعالم، لكن لكل منهما أهدافه وأدواته المختلفة. فروسيا تسعى إلى تغيير سريع ومكلف للنظام القائم، في حين تعمل الصين على إعادة تصميمه تدريجيا وبأقل تكلفة ممكنة. وتدرك بكين جيدا أن بنية القوة العالمية لا تسمح بظهور هيمنة جديدة مطلقة، ولذلك تفضل لعب دور الوسيط والمنظم والموازن. وهذا الدور أقل كلفة وأكثر انسجاما مع المصالح الاقتصادية للصين.

وعلى خلاف روسيا، فإن الصين لا تستفيد من الفوضى وعدم الاستقرار، بل ترى أن الاستقرار ضروري للتجارة والطاقة والاستثمار. ولهذا السبب تبنّت بكين في الأزمات الإقليمية، ومنها أزمات الشرق الأوسط، نهجًا نشطًا ولكن حذرًا.

وخلاصة القول إن الصين تتحول اليوم إلى مركز للدبلوماسية العالمية، لا إلى مركز للقوة المطلقة. فقادة العالم، من ترامب وبوتين إلى ستارمر وماكرون وشولتس ونواز شريف وبزشكيان وغيرهم من قادة الجنوب والغرب، يتوجهون إلى بكين لأن الصين أصبحت لاعبا قادرا على التحاور مع القوى الكبرى في الوقت نفسه، والمساهمة في إدارة الأزمات، وتنظيم علاقات القوة.

المصدر: موقع ديبلماسي إيراني

————————

المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

 

المقال السابقألمانيا تسجل أعلى معدل فقر في تاريخها الحديث
المقال التاليالفشل يلاحق دولة الاحتلال.. اعتراف إسرائيلي بعدم تحقق أهداف الحرب على إيران