دبلوماسية بوتين الاستعراضية: حرب أوكرانيا تطارد موسكو إلى قلب سانت بطرسبورغ

شفقنا-عقد الرئيس الروسي منتدى هذا العام الاقتصادي في سانت بطرسبورغ في إطار محاولة لاستعراض قوته الدولية، في وقت كانت فيه العاصمة الاقتصادية لروسيا تتعرض لهجمات غير مسبوقة بالطائرات المسيّرة الأوكرانية. وقد انعقد المنتدى تحت وطأة انكماش حاد في الاقتصاد الداخلي، وعجز في الموازنة بلغ ثمانين مليار دولار، إضافة إلى انسداد الأفق الدبلوماسي مع كييف.

وقد صمم المنتدى الاقتصادي لهذا العام في سانت بطرسبورغ بهدف تعزيز مزاعم بوتين بأن موسكو، رغم الحرب المدمرة في أوكرانيا، لا تزال تحتفظ بثقل ومكانة دوليين. وتحدث الرئيس الروسي في هذا المنتدى عن تطوير العلاقات التجارية مع الصين والهند، كما استضاف جمهورا مختارا بعناية.

ومن بين هؤلاء الضيوف، برزت مجموعة من الشخصيات الأمريكية المائلة نحو موسكو، بما في ذلك أعضاء من حركة ماغا مثل المعلقة المحافظة كانديس أوينز. ومع ذلك، كان أبرز ما شهده الحدث يوم الجمعة هو الرفض الصريح الذي أبداه بوتين لمقترح الرئيس الأوكراني بعقد لقاء مباشر لإنهاء الحرب.

وخلال الأيام الماضية، نشر زيلينسكي رسالة مفتوحة موجهة إلى بوتين حذر فيها من أن استمرار الحرب لن يجلب سوى المزيد من الدمار للبلدين. وفي هذه الرسالة، التي تعد أول خطاب مباشر منه إلى بوتين منذ بدء الغزو عام 2022، شدد الرئيس الأوكراني بوضوح على أن الإخفاقات الروسية الأخيرة في ساحة المعركة قد تكون لها عواقب شخصية خطيرة على زعيم الكرملين.

كما تضمنت الرسالة انتقادات حادة لسنوات حكم بوتين الممتدة على مدى 26 عاما، وتلميحات ساخرة بشأن سنه. ورد بوتين بتجاهل هذا التحذير، وواصل عادته في الامتناع عن ذكر اسم زيلينسكي، معتبرا أن الرد على كاتب الرسالة لا معنى له، مفضلا توجيه التحية للجنود الروس على خطوط الجبهة.

وجاء هذا الرد الحاد في وقت تخسر فيه القوات الروسية المزيد من المناطق التي كانت قد سيطرت عليها، بينما امتدت نيران الحرب إلى داخل الأراضي الروسية نفسها.

الطائرات المسيّرة في العاصمة الاقتصادية

في يوم افتتاح المنتدى، استهدفت الطائرات المسيّرة الأوكرانية أهدافا تقع على بعد بضعة كيلومترات فقط من موقع انعقاد المنتدى، ما أدى إلى تصاعد أعمدة ضخمة من الدخان الأسود في السماء.

وطلب حاكم سانت بطرسبورغ، ألكسندر بيغلوف، صباح السبت من سكان ثاني أكبر مدينة روسية عدم مغادرة منازلهم، محذرا من اضطرابات محتملة في خدمات الإنترنت المحمول. 

كما أعلن حاكم منطقة لينينغراد، ألكسندر دروزدينكو، أن 141 طائرة مسيّرة جرى اعتراضها فوق المنطقة، في حين أفادت وزارة الدفاع الروسية بإسقاط 376 طائرة أوكرانية مسيّرة. 

وتعد هذه الهجمات المتكررة، التي شملت إصابة محطة نفطية وقاعدة بحرية، ضربة محرجة لمحاولات بوتين إظهار الحرب على أنها بعيدة عن الحياة اليومية للمواطنين الروس.

ورغم هذه الأزمة الأمنية، ادعى بوتين في خطابه أن موسكو ستعزز أنظمة الدفاع الجوي لديها لمواجهة هذه الاختراقات العميقة.

ومع ثبات خطوط المواجهة على الجبهات، يحاول الطرفان تحقيق تفوق استراتيجي عبر استخدام الهجمات بعيدة المدى.

وفي المقابل، أعلنت القوات الجوية الأوكرانية أمس أن روسيا أطلقت 272 طائرة هجومية مسيّرة باتجاه أوكرانيا، تم اعتراض 249 منها.

دبلوماسية استعراضية في موسكو

انعقد منتدى سانت بطرسبورغ، الذي أطلق قبل عقود بهدف الترويج لفرص الاستثمار، هذا العام في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة وتراجع مكانة بوتين في استطلاعات الرأي.

وعلى مستوى آخر، شكل المنتدى محاولة لتحسين العلاقات مع شخصيات من التيار اليميني في الغرب.

فقد شارك رودني ميمز كوك جونيور، مفوض الفنون الجميلة في الولايات المتحدة والمسؤول عن إعادة تصميم قاعة الرقص في البيت الأبيض خلال إدارة ترامب، بصفة شخصية في هذا الحدث.

وخلال جلسة للأسئلة والأجوبة، نقل كوك تحيات ترامب إلى بوتين، وهو ما قوبل بترحيب من الرئيس الروسي.

كما أعلن كيريل دميترييف، المبعوث الخاص للرئاسة الروسية، عن وجود رغبة في استئناف العلاقات التجارية مع واشنطن، بعد اجتماعات عقدها مع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

وكشف دميترييف عن توقيع مذكرة تفاهم لدراسة مشروع تجريبي لإنشاء نفق تحت مضيق بيرينغ يربط ألاسكا بالمناطق النائية في أقصى الشرق الروسي.

ولم تتوقف العروض الجانبية للمنتدى عند هذا الحد. فقد حضر الأخوان تيت، وهما من المؤثرين الأمريكيين ـ البريطانيين الذين يواجهان اتهامات خطيرة في بريطانيا ورومانيا، بينها الاغتصاب، إلى موسكو، وظهر أندرو تيت وهو يتجول في الساحة الحمراء مرتديا معطفا جلديا.

كما عرضت شركات روسية روبوتات بشرية ترتدي بدلات رسمية إلى جانب فرقة جدات بورانوفسكي الغنائية، في محاولة رمزية لإظهار التقدم التكنولوجي الروسي، رغم أن روسيا ما تزال متأخرة كثيرا عن الولايات المتحدة والصين في هذا المجال.

ومع ذلك، بدا المنتدى بأكمله أقرب إلى عرض استعراضي منه إلى إنجاز فعلي، لدرجة أنه جرى إهداء أعضاء الوفد الأمريكي دبابيس تحمل العلم الأمريكي على شكل دمى ماتريوشكا، في حين لم يكن لدى بوتين أي برنامج للقاء بهم.

الاقتصاد الروسي في دوامة الانكماش

تصاعد التوتر بين واشنطن وموسكو بسبب الحرب. فقد أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ، أن غزو بوتين لأوكرانيا كان كارثة استراتيجية، وأن روسيا على الأرجح لن تتمكن أبدا من تحقيق أهدافها العسكرية، بما في ذلك السيطرة الكاملة على منطقة دونباس الناطقة بالروسية.

وللتغطية على هذه الإخفاقات، لجأ بوتين إلى اقتباس للكاتب الأمريكي الشهير مارك توين، واعتبر الشائعات المتعلقة بموته مبالغا فيها.

ومع ذلك، اعترف بأن الاقتصاد الروسي يواجه مشكلات متزايدة، من بينها التضخم الجامح.

فقد أدت الحرب إلى ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وأجبرت الحكومة على زيادة الضرائب وتكاليف الاقتراض، ما وضع الاقتصاد الروسي في أسوأ أوضاعه منذ عام 2022.

كما أن الضربات الأوكرانية المركزة على المصافي النفطية ومحطات التصدير ومستودعات النفط شلت قطاع الطاقة الروسي، الذي يُعد الشريان الرئيسي لإيرادات الدولة.

وقد ألغت هذه الاضطرابات حتى الآثار الإيجابية لقرارات ترامب المتعلقة برفع بعض العقوبات النفطية عن روسيا بعد تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وبحسب البيانات الرسمية، انكمش الاقتصاد الروسي بنسبة 0.2 بالمئة خلال الربع الأول من العام الجاري، ومن المتوقع ألا يتجاوز النمو الاقتصادي خلال عام 2026 نسبة نصف بالمئة فقط، مقارنة بنسبة نمو بلغت خمسة بالمئة عام 2024، ما يعكس تراجعا حادا.

المصدر: صحيفة شرق

————————

المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

 

المقال السابقتونس تشهد وقفة تنديدا بالإبادة الإسرائيلية وخروقات وقف النار بغزة
المقال التاليخطة أمريكية لاستخدام الأصول الإيرانية المجمدة لهذا الغرض.. كيف سترد طهران؟