أ-تمتلك المجتمعات نوعًا من العقل الجمعي؛ عقلًا لا يُرى بالعين، لكنه يوجّه المجتمع، ويمنحه اتجاهه، ويحدد مساره في المنعطفات التاريخية الكبرى.
لا يتجسد هذا العقل في مؤسسات السلطة الرسمية بقدر ما يتجذر في الطبقات الأعمق والأكثر رسوخًا من المجتمع؛ في التقاليد الفكرية، وفي أوساط النخب وأهل الحكمة والعقل، وفي الجامعات والحوزات العلمية، وفي المساجد ومراكز الدراسات، وفي الأسواق التقليدية والحديثة، وفي المدارس الفلسفية والفقهية والفكرية، وفي المؤسسات والشخصيات التي تُعد مرجعًا فكريًا وأخلاقيًا للمجتمع، والتي تشكل – بعبارة جامعة – العقل المنفصل للأمة، أي منظومة الفكر والمرجعية المعرفية التي تتجاوز الأفراد.
ثم أن متانة المجتمعات وترابطها وانسجامها ومسار تحوّلاتها يتأثر إلى حد كبير بهذا العقل الجمعي. ولعل ازدهار الأمم أو انحدارها يبدأ، قبل أن يظهر في المجال السياسي، من التحولات التي تطرأ على هذا العقل الجمعي ومنظومتها المعنوية العميقة.
وفي المجتمعات الشيعية، لا شك أن مراجع التقليد يمثلون أحد أهم أركان هذا العقل الجمعي. فدورهم لا يقتصر على الإجابة عن المسائل الشرعية، بل إن رؤيتهم للإنسان والمجتمع والسلطة والدين والعالم تسهم – وتحمّلهم في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة – في رسم الآفاق الفكرية للمجتمع.
ومن هنا، فإن أي تحول مستدام لا يمكن أن يتحقق من دون تحول في هذه الطبقة العميقة من العقل الجمعي. ولهذا فإن اجتهاد المرجع وفهمه لمقتضيات العصر قادران على فتح آفاق جديدة أمام المجتمع، أو على العكس، فإن العجز عن إدراك الزمان والمكان قد يضيّع على الأمة فرصًا كبرى.
ب-من أعلامٍ كبار أمثال السيد أبي الحسن الأصفهاني، والآخوند الخراساني، والميرزا النائيني، وصولًا إلى آية الله السيد أبو القاسم الخوئي، ثم المرجع الأعلى سماحة آية الله السيد علي السيستاني في النجف الأشرف، ومن آية الله السيد حسين البروجردي إلى آية الله السيد محمد رضا الكبايكاني، والإمام الخميني، وآية الله الشهيد السيد علي الخامنئي، وآية الله السيد موسى الشبيري الزنجاني، وسائر مراجع قم المقدسة اليوم؛ جميع هؤلاء أسهموا في تشكيل منظومة العقل المعاصر للتشيع.
فكل واحد من هؤلاء المراجع أعاد، في مواجهة أسئلة عصره، بناء جزء من العقل التاريخي للتشيع؛ فكان بعضهم معنيًا بالعلاقة بين الدين والدستور، وآخرون بالعلاقة بين الدين والدولة، وبعضهم بإحياء الفقه التقليدي وتجديده، فيما اضطلع آخرون بمهمة قيادة المجتمع الشيعي في عصر الدول الحديثة.
وفي هذا السياق ينبغي فهم شخصية آية الله الشيخ محمد إسحاق الفياض وموقعه. فهو لم يكن مجرد مرجع تقليد أو أستاذ بارز في الفقه والأصول، بل ينبغي النظر إليه بوصفه أحد مكوّنات العقلانية الشيعية المعاصرة. وبهذا الميزان تُقاس الشخصيات؛ ميزان لا تُوزن فيه الأدوار بمقدار السلطة السياسية، بل بمقدار ما تسهم به في رسم الآفاق الفكرية والأخلاقية للمجتمع.
لقد قيل الكثير في الأيام الأخيرة حول مكانة آية الله الفياض العلمية والفقهية والأصولية الرفيعة، غير أن رؤيته الفكرية ومنهجه في الحياة الفردية والاجتماعية لا يقلان أهمية عن علمه ومكانته العلمية.
فقد نشأ الراحل في قرية نائية بمحافظة غزني في أفغانستان، وسط أسرة بسيطة تعمل في الزراعة، ثم اختار طريق الهجرة لطلب العلوم الدينية، فعرف الغربة، وانتقل إلى مشهد ثم إلى النجف الأشرف، وتتلمذ على أيدي كبار علماء عصره، وفي مقدمتهم آية الله السيد أبو القاسم الخوئي، حتى أصبح لاحقًا واحدًا من كبار مراجع النجف الأشرف.
وقد صنعت منه معاناة الفقر والغربة والتمييز، وتجربة العيش بين شعوب أفغانستان وإيران والعراق، وما تكبّده من قسوة حقبة صدام حسين ثم الاحتلال، وأخيرًا الحكم الشيعي والمتعدد في العراق وعودة الحوزة العلمية في النجف إلى مكانتها الكبرى؛ شخصيةً استثنائية ومرجعًا مختلفًا، لتصبح تجربته الحياتية مصدرًا للتعلم، كما كانت دروسه وأبحاثه العلمية.
واللافت في مسيرته أنه، رغم هذا الطريق الطويل والمعقد، لم يبتعد شيئًا عن بساطته الأولى، وذلك في عالم يبتعد فيه كثيرون عن جذورهم بعد الصعود الاجتماعي أو السياسي. إلا أنه حافظ على صفاء ذلك الفلاح البسيط وعفويته وإخلاصه، وفي الوقت نفسه بذل جهده بإخلاص ومن دون ادعاء في سبيل الحفاظ على وحدة حوزة النجف ودعم زعيمها.
ولذلك ليس من المستغرب أن يصفه مرجع التشيع الأعلى والحكيم سماحة آية الله السيد السيستاني، بـ «الأخ الصفي».
في أكثر من مناسبة أُتيح لي شرف اللقاء والحوار مع فقيد حوزة النجف، كنت كلما دخلت إلى مكتبه البسيط المتواضع في النجف الأشرف وجلست بين يديه، أشعر أكثر بذلك الامتداد العميق بين ماضيه وسلوكه الاجتماعي وأسلوب حياته. في ذلك المكتب، لم يكن ثمة ما يدل على استعراض سلطة أو نفوذ، ولا تلك الحواجز المرئية وغير المرئية التي تبعد أصحاب المكانة عن عموم الناس.
ج:كانت زيارتي الأولى لسماحته يوم الأربعاء 12 فبراير 2012 في منزل بسيط ودافئ يقع في الجهة المقابلة من شارع الرسول (صلى الله عليه وآله) وبأدنى قدر ممكن من المراسم والتكلف.
وفي النجف الأشرف عادةً ما تكون تحفظات كثيرة تجاه وسائل الإعلام والحوارات الصحفية، وكانت تلك التحفظات في ذلك الوقت أشد حضورًا. غير أن ما لمسته منذ اللحظات الأولى من سماحته وأعضاء مكتبه من مودة وصفاء، فتح باب حوار استمر في مناسبات أخرى لاحقة.
واليوم، حين أعود إلى مجمل تلك الحوارات، وما تلقيته من ملاحظات وإيضاحات عدة من نجله الكريم، أجد نفسي أمام موضوعات عميقة ومهمة، وأشعر أن إسهام آية الله الفياض في تشكيل العقل المعاصر للتشيع يمكن تبيينه بواسطة تأكيده على ثلاثة محاور أساسية: الاستقلال، والاعتدال، والكرامة الإنسانية.
أولًا: الاستقلال
في تقدير الكاتب، فإن من أبرز إسهامات آية الله الفياض في العقل الجمعي الشيعي تأكيده على استقلال الحوزة العلمية والمرجعية الدينية. فقد كان سماحته لا ينظر إلى الاستقلال بوصفه ضرورة إدارية أو مالية أو تنظيمية فحسب، بل كان يعدّه جزءًا من الفلسفة المعرفية للاجتهاد وضمانة لثقة الناس بالمرجعية.
وكان يقول في هذا السياق: “علماؤنا يقبلون الموت ولا يقبلون الدعم الحكومي”.
ولم يكن ذلك مجرد موقف اقتصادي، بل خلاصة رؤية اجتماعية متكاملة تضمن سلامة المذهب من الانحرافات الفكرية، إذ كان يؤكد: «على الرغم من رغبة الحكومات في تقديم الأموال والمساعدات المالية، فإن المراجع لا يقبلون المال من الدولة، وقد فضّلوا الحفاظ على استقلال الحوزة على تحمل المشاق والمتاعب. ومن الطبيعي أن تتسع دائرة الصعوبات في العصور التي تختلف فيها سياسات الحوزة عن سياسات الحكومات، فتأخذ معاناتهم وصبرهم وجهادهم طابعًا أشد وأقسى… لقد عرفوا الجوع والفقر وسائر المحن، ومع ذلك لم يتقاضوا المال من الدولة، فحافظوا على استقلال الحوزة وصانوا المذهب من الأفكار المنحرفة».
نعم، إن المرجعية لا تستطيع أن تكون مرجعية للناس بحق، ولا يمكن للفتوى أن تحافظ على أصالتها، ما لم تكن مستقلة عن الحكومات والأحزاب وأصحاب النفوذ. ثم أن الحوزة لا تستطيع أن تؤدي دور الناصح والناقد للسلطة إذا كانت تعيش على عطائها، بل لا بد أن يكون سندها الرئيس الزهد والاعتماد على الناس.
وقد كان الأمر كذلك في الماضي رغم كل الصعاب، كما يروي سماحته: «لقد واجهت صعوبات اقتصادية بالغة بعد استقراري في النجف، ولم تكن هناك أي رواتب شهرية للطلبة، وكان آية الله البروجردي يوزع مساعدات غذائية على الطلبة لكنها لم تسد حاجتهم سوى لأسبوع واحد. هذا في حين إن العراق كان يمر بظروف جيدة في الأيام الملكية لكن لم يكن بوسع الطلاب شراء الكثير سوى التمر واللبن».
كان سماحته رحمه الله، يخشى أن تؤدي التبعية مع مرور الزمن إلى تآكل استقلال الرأي والشجاعة الأخلاقية والثقة العامة، ولذلك كان يحذر قائلًا: «إذا تعرض استقلال الحوزة للخطر فقد تنتهي إلى أن تصبح أزهرًا آخر».
وهذه العبارة ليست حكمًا تاريخيًا بقدر ما هي تحذير من طبيعة العلاقة بين علماء الدين والسلطة، ودفاع عن أحد أهم المرتكزات التي قام عليها العقل الجمعي للتشيع؛ ذلك الرصيد الذي أتاح للحوزة، على امتداد القرون، أن تبقى مستقلة – في حدود الممكن – عن تدخل الحكومات، وأن تستمد مشروعيتها من الاجتهاد القائم على النص والعقل، ومن الزهد الشخصي، ومن الدعم الشعبي.
ثانيًا: الاعتدال
كان آية الله الفياض يرى أن التشيع مدرسة الاعتدال، وكان هذا المعنى من أكثر المرتكزات حضورًا في خطابه. فكان يصف حوزة النجف بأنها حوزة معتدلة «لا مكان فيها للإفراط والتفريط ولا للأفكار المنحرفة والشاذة والمتطرفة».
كما كان يؤكد أن «التكفير غير موجود في حوزة النجف لأنها تتبع الكتاب والسنة، والكتاب والسنة بريئان من هذه الأفكار والمسائل»، وأنه « ليس في العلماء الشيعة من يفتي بكفر أهل السنة».
وكان يرى أن من أهم وظائف المرجعية الحفاظ على هذا الاعتدال، ويقول: «المرجعية منظومة بسيطة ينصب كل اهتمامها على حفظ الحوزة والمذهب، وإن اعتدال المذهب وسلامته يقتضيان أن تكون ممارسات علمائنا وفتاواهم منسجمة مع الكتاب والسنة».
وفي زمن غرقت فيه أجزاء من العالم الإسلامي في دوامة العنف الطائفي والأفكار التكفيرية، بقي آية الله الفياض أحد الأصوات الهادئة والراسخة التي تمثل النهج النجفي المعتدل؛ ذلك النهج الذي يبحث عن بقائه وتأثيره في صون العقلانية والأخلاق، لا في إقصاء الآخرين.
ومن هذا المنطلق كان شديد الاعتراض على الإساءة إلى أتباع المذاهب الأخرى، وقد خاطب بعض القنوات المتطرفة قائلًا: «على جميع الشيعة وهؤلاء السادة أن يعلموا أنكم إذا شتمتم فستُشتمون. فالمناظرة لا تقوم على السباب، بل على بيان الحقائق. ولتكن كتبكم هي الحاكمة على ألسنتكم. فإذا شتمتم مقدسات الآخرين فإنهم سيشتمون مقدساتكم، وهذا أمر طبيعي».
وبطبيعة الحال، قد تظهر مظاهر الإفراط والتفريط على المستوى الفردي لدى بعض الأشخاص، لكن المهم هو ألا يبني العقل الجمعي لأي مجتمع هويته على إقصاء الآخر، وأن يمتلك القدرة على منع تمدد التطرف.
وهذه ملاحظة دقيقة وعميقة عبّر عنها سماحته بقوله: «علينا أن نعلم أن التطرف يسبب الضرر دائمًا، واليوم علينا أن نكون أكثر حذرًا منه. صحيح أن هناك بعض حالات التطرف، لكنها فردية ولا تحظى بأي مشروعية. أما لدى الطرف الآخر فهناك حالات تطرف جماعية، ونأمل من علماء أهل السنة الحقيقيين أن ينبهوا إلى هذا الخطر ويحولوا دون توسعه».
ولم تكن هذه الرؤية مقتصرة على العلاقات بين المذاهب فحسب، بل كانت دفاعًا عن شكل من العقلانية الحضارية الشيعية؛ عقلانية تفضل قوة الإقناع على قوة الإقصاء، والحوار على الصراع، والتعايش داخل المذهب وبين المذاهب والأديان على العداء والمواجهة، وهي السمة التي شهدنا تجلياتها خلال السنوات الماضية في نهج حوزة النجف الأشرف تجاه سائر المذاهب.
ثالثًا: الكرامة الإنسانية
من أبرز وجوه إسهام آية الله الفياض في العقل المعاصر للتشيع نظرته إلى الإنسان، وهي نظرة تجلت في سلوكه الشخصي، وفي مواقفه الاجتماعية، وفي آرائه الفقهية.
فقد كانت نظرته تنطوي على رؤية أخلاقية للإنسان تؤكد على كرامته الذاتية قبل أي انتماء أو هوية أخرى.
وفي أحد أحاديثه قال سماحته: «الإسلام هو الدين الوحيد الذي حرم التمييز العنصري من أساسه. يقول الله تعالى: (وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، فلا فرق بين الأسود والأبيض، ولا بين الرجل والمرأة، ولا بين العربي والأعجمي، وإنما التفاضل بالتقوى. فلا مكان للعنصرية في الإسلام».
كما قال: «لقد وصف الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم)، وهذا الوصف ليس من باب المبالغة… فعلى الرغم من إحراق باب بيت أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وكانت فاطمة (عليها السلام) ابنة رسول الله وليست إنسانة عادية، وأسقطوا جنينها، فإن الإمام عليًا (عليه السلام) كان يعامل أعداءه بسعة صدر واعتدال… الأصل هو الإنسان؛ فالإنسان ليس حيوانًا، وقد منحه الله العقل والشعور، والعنف لا يولد إلا العنف».
أليست المرأة إنسانًا؟
ومن هذا المنطلق كان آية الله الفياض يرى أن الرجل والمرأة متساويان في الكرامة الإنسانية، وقد أكد في أكثر من مناسبة أن المرأة قادرة، مع الحفاظ على كرامتها والضوابط الشرعية، على تولي المسؤوليات الاجتماعية المهمة.
بل إنه لم يرَ مانعًا عقليًا من تولي المرأة منصب القضاء أو رئاسة الجمهورية أو حتى المرجعية الدينية، وكان يعتقد أن المعيار هو الكفاءة العلمية والأهلية الشخصية لا الجنس.
ولا شك أن هذا الرأي يواجه معارضة كبيرة داخل الحوزات العلمية، غير أن أهميته تكمن في صدوره عن أحد المراجع التقليديين الكبار في النجف الأشرف.
وأذكر أنه حتى في مسألتي القضاء والمرجعية، قال بشأن تولي المرأة للمسؤولية: «لا أرى أي فرق؛ فإذا درست المرأة وأصبحت مرجعًا، فما المانع من ذلك؟».
ثم أتم حديثه بعبارة لافتة تكشف الأساس الفكري لرؤيته فقال: «أليست المرأة إنسانًا؟!».
ولعل من النادر أن تختصر جملة واحدة، بهذه الدرجة من الإيجاز، المنطلق الفقهي والاجتماعي لصاحبها. ولا ريب أن وراء هذه العبارة فهمًا خاصًا للكرامة الإنسانية، يفسر الكثير من مواقفه الاجتماعية وبعض آرائه الفقهية الأخرى.
ويمكن ملاحظة هذا التوجه أيضًا في بعض مراجعاته الفقهية اللاحقة، ومنها تعديله لرأيه بشأن سن التكليف للفتيات، فقد رفع سن التكليف إلى مرحلة البلوغ الشرعي أو الثالثة عشرة من العمر الشرعي. وهو ما يكشف أن تنوع الفتاوى يبقى أمرًا مقبولًا داخل حوزة النجف، رغم رسوخ التقاليد ووحدة الاتجاه العام فيها.
كلمة أخيرة
اليوم، وقد وارى ذلك الفقيه الزاهد الثرى في جوار مولاه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفي ذلك البيت البسيط نفسه، يمكن القول إن حياته التي تنقلت بين الفقر والحرب والهجرة والاستقرار، وبين واقع الأقلية والأكثرية الشيعية، وتجربته في مجتمعات وأقاليم ثلاثة هي أفغانستان وإيران والعراق، وما رافقها من تقلبات ومنعطفات، منذ أن كان طالب علم أفغانيًا مغمورًا حتى بلغ قمة المرجعية، فضلًا عن «معايشته المستمرة لحالات اللاحسم»، هي التي عمّقت لديه – إلى جانب تعاليم الكتاب والسنة والعقلانية الاجتهادية الشيعية – الحساسية تجاه قيم الاستقلال والاعتدال والكرامة الإنسانية.
وتكشف سيرته أنه إذا اعتبرنا ثلاثية «الاستقلال والاعتدال والكرامة» من أهم مكونات العقل الجمعي والاجتماعي للتشيع في رؤية حوزة النجف الأشرف، فإن آية الله الفياض كان من أبرز حَمَلَة هذه القيم والداعين إليها.
ويمكن القول إن الراحل كان من جيل العلماء الذين رأوا في الاستقلال ضمانة لمصداقية الحوزة، وفي الاعتدال ضمانة لبقاء المذهب، وفي كرامة الإنسان ضمانة لمستقبل المجتمع.
واليوم، وإن انتهت مرجعيته بوفاته، فإن سيرته وفكره والأسئلة التي طرحها أمام العقل الجمعي الشيعي ستظل حاضرة وحيّة. ولعل إرثه الأبرز يتمثل في مساهمته في بلورة العقل المعاصر للتشيع، وفي الأثر الذي تركه – وسيبقى يتركه – في العقل الجمعي وفي «الحياة الاستراتيجية الشيعية»، ذلك العقل الذي يمثّل المحرك الأساس لكل تحول وتجدد أصيل في أوساط أتباع هذا المذهب.
ولا سيما أنه كان يقول: «لم تعد معاداة الشيعة مجدية، فقد دخل التشيع مرحلة فريدة من النضج والازدهار. ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي لم تكن الكتب الشيعية موجودة حتى في مكتبات الفريق الآخر، وكان تداولها وبيعها ممنوعين، أما اليوم فقد تبدّل الحال، وأصبحت الكتب الشيعية تصل إلى كل مكان بفضل الوسائل الحديثة كشبكة الإنترنت… لكن على الشيعة الأعزاء أن يعلموا أن التشيع اليوم محط أنظار العالم، وأن الشيعة في كل مكان يمثلون هذا المذهب المظلوم. وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): كونوا زينًا لنا ولا تكونوا شينًا علينا. فعلى الشيعة أن يمثلوا الاعتدال وأخلاق أهل البيت في كل مكان».
وأختم هذه السطور بالتذكير بأن علماء النجف منفتحون على الحوار والتواصل المباشر والبسيط مع مختلف التيارات الفكرية والاجتماعية – باستثناء السياسيين غالبًا – إلا أنهم نادرًا ما يقبلون بالحوارات الإعلامية، ولذلك فإن فهم آرائهم يقتضي الرجوع إلى تقارير دروسهم وكتبهم وفتاواهم وسلوكهم الشخصي وعلاقاتهم المباشرة.
ومع التطورات الجديدة التي طرأت على مجال الإعلام والوعي الاجتماعي، تبدو هذه المسألة – في تقدير الكاتب – حلقة مفقودة تستحق إعادة النظر. ومع ذلك، فإن المقابلات الإعلامية القليلة التي أجريت مع سماحة آية الله الفياض قدمت للوسط الشيعي مادة غنية بالأفكار والرؤى، ولم تتناول هذه المقالة منها إلا جانبًا محدودًا.
وأتقدم من موقعي هذا بأحر التعازي في هذا المصاب الأليم إلى مقام صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وإلى الحوزة العلمية في النجف الأشرف، ولا سيما سماحة المرجع الأعلى آية الله السيد علي السيستاني، وإلى نجل الفقيد الحجة الشيخ محمود الفياض، وإلى جميع محبي ذلك المرجع الجليل، سائلًا الله تعالى أن يحقق ما كان يتطلع إليه من قيام مجتمع شيعي إنساني وأخلاقي في أرقى مراتبه.
بقلم الدكتور أبو الفضل فاتح


