شفقنا-الذكاء الاصطناعي أصبح لاعبا أساسيا في عمليات التنبؤ والتخطيط واستشراف التحولات المقبلة، بفضل قدرته الهائلة على تحليل البيانات واستخلاص الأنماط. لكن هذا التقدم يثير سؤالا فلسفيا عميقا حول الفرق بين القدرة على التنبؤ بالمستقبل والقدرة على فهم معناه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتجارب إنسانية ترتبط بالأمل والخوف والمسؤولية والوعي بالمصير.
يطرح الفيلسوف الألماني هانس غيورغ غادامر مفهوما أساسيا يعرف بأفق المعنى، ومفاده أن كل كائن يعيش داخل الزمن يختبر المستقبل من خلال منظور يتشكل من الخوف والأمل والذاكرة والوعي بالموت. وتنطلق دراسات استشراف المستقبل الحديثة من الفرضية نفسها؛ فالسيناريوهات لا تكتسب معناها إلا عندما يكون هناك من سيعيشها ويختبرها.
لكن ماذا لو قيل لنا إن الذكاء الاصطناعي قادر على التنبؤ بالمستقبل؟ قد نسمع هذه العبارة اليوم دون كثير من الدهشة، وكأنها أصبحت أمرا مألوفا. غير أن التوقف عند المسافة الفاصلة بين التنبؤ والفهم يكشف سؤالا قد يكون من أهم أسئلة عصرنا، وإن كان غالبا ما يمر متخفيا خلف اللغة التقنية.
فالتنبؤ والفهم ليسا شيئا واحدا. فمقياس الحرارة يستطيع قياس درجة الحرارة، لكنه لا يشعر بالبرد. والخريطة ترشد إلى الطريق، لكنها لا تعرف مشقة السير فيه. وبالطريقة نفسها، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتوقع بدقة مدهشة معدلات البطالة بعد عشر سنوات، أو المهن التي ستختفي، أو الأمراض التي قد تنتشر. لكن هل يدرك ما الذي تعنيه هذه الأرقام لأب يخشى على مستقبل أبنائه؟ وهل يفهم أن المستقبل لا يكتسب قيمته إلا لأن هناك بشراً سيعيشونه؟
تكمن المشكلة في أن الذكاء الاصطناعي لا يعيش داخل الزمن كما يعيش الإنسان. قد تبدو هذه العبارة بسيطة، لكنها تحمل معنى عميقا. فالإنسان يختبر المستقبل من داخل وجوده؛ من خلال إدراكه أنه سيموت يوما ما، وأن لديه ذكريات وآمالا ومخاوف. وقد وصف الفيلسوف مارتن هايدغر هذا الوضع بمفهوم الوجود نحو الموت. إن وعي الإنسان بنهايته هو ما يمنح المستقبل ثقله الواقعي ويجعل خياراته ذات معنى.
فعندما يقلق عامل بشأن وظيفته بعد خمس سنوات، فإن هذا القلق ليس مجرد معادلة اقتصادية، بل هو امتداد لتجربته الحياتية بأكملها؛ لليال طويلة يقضيها وهو يحسب نفقات أسرته ويفكر في مصير أطفاله. أما الذكاء الاصطناعي فلا يختبر أيا من ذلك. فهو لا يخسر شيئا، ولا يخاف من المستقبل، ولا يقلق على أبنائه. ولذلك يبرز السؤال: من أي نافذة يرى المستقبل؟
لقد ارتبطت دراسات المستقبل الجادة دائما بحقيقة أن من يضع السيناريوهات سيكون جزءا من ذلك المستقبل، أو على الأقل سيكون أبناؤه جزءا منه. وهذا الارتباط يحول استشراف المستقبل من تمرين ذهني مجرد إلى مسؤولية أخلاقية. فالشخص الذي يرسم مخططا لمدينة سيعيش فيها ينظر إليها بطريقة مختلفة عن شخص يراقبها من الخارج.
ومن هنا تبدو العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي أكثر تعقيدا. فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي اليوم بالتنبؤ، بل أصبح يشارك في صناعة مستقبل لن يكون جزءا منه. فهو يؤثر في السياسات والاقتصاد والطب والتعليم، ويشارك في اتخاذ قرارات تمس حياة ملايين البشر. وهذه مفارقة لافتة؛ إذ إن أداة لا تمتلك أفق معنى خاصا بها تسهم في تشكيل مستقبل سيضطر الآخرون إلى العيش داخله والبحث عن معناه.
ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي خطر بحد ذاته أو أنه ينبغي الاستغناء عنه، بل إن القضية ذات طابع فلسفي أعمق. فإذا حل استشراف المستقبل القائم على الخوارزميات محل الرؤية الإنسانية بالكامل، فقد نفقد شيئا يصعب تعويضه: ذلك الارتجاف الإنساني الذي يرافق التفكير في مصير الأبناء، وذلك القلق الوجودي الذي يمنح السيناريوهات معناها الحقيقي.
ويذهب غادامر إلى أن الفهم يتحقق من خلال اندماج الآفاق؛ أي التقاء أفق الإنسان بأفق الظاهرة التي يحاول فهمها. ومن خلال هذا التفاعل ينشأ المعنى الحقيقي. أما إذا كان أحد الطرفين يفتقر إلى أفق وجودي أصلا، فإن ما يتبقى ليس فهما بالمعنى العميق للكلمة، بل مجرد حسابات وأنماط ومعادلات.
لذلك ربما يكون المسار الأكثر توازنا هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة لا بديلا عن الإنسان في استشراف المستقبل. فالآلة يمكنها أن تتولى الحسابات المعقدة وتحليل البيانات الضخمة، لكن مهمة إضفاء المعنى وتحديد القيم والأولويات تظل مسؤولية إنسانية.
وفي عصر يتغلغل فيه الذكاء الاصطناعي بسرعة غير مسبوقة في مختلف جوانب الحياة، قد يكون السؤال الأهم ليس: هل تستطيع الآلة التنبؤ بالمستقبل؟ بل: هل تستطيع فهمه؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالآلة بقدر ما تتعلق بنا نحن؛ لأنها تساعدنا على إدراك ما الذي يجعل التجربة الإنسانية فريدة، وما الذي لا يمكن تفويضه لأي خوارزمية مهما بلغت درجة تطورها. فذلك الخفقان الذي نشعر به عندما نفكر في المستقبل، وذلك المزيج من الأمل والخوف والمسؤولية، قد يكون آخر ما يميز الإنسان في عصر الآلات الذكية.
المصدر: صحيفة اعتماد
————————
المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–


