عنف المستوطنين والاستيطان.. استراتيجية إسرائيلية لإعادة هندسة الضفة الغربية

Israeli settlers fire at Palestinians (unseen) while an Israeli soldier (L) stands by during clashes in the town of Huwara in the occupied West Bank on October 13, 2022. (Photo by Oren ZIV / AFP)

شفقنا-منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية في غزة في 7 أكتوبر 2023، صعّد جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون الصهاينة هجماتهم في الضفة الغربية إلى مستويات غير مسبوقة، كما تسارعت وتيرة الأنشطة الاستيطانية في المنطقة، وتمت المصادقة على بناء آلاف الوحدات السكنية الجديدة للمستوطنين. وفي الوقت نفسه، أعلن عن أجزاء من أراضي الضفة الغربية باعتبارها أراضي دولة وصودرت، بالتوازي مع تصاعد غير مسبوق في عنف المستوطنين.

وأكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن أعمال العنف المرتبطة بالمستوطنات والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية بلغت مستويات غير مسبوقة، مشيرة إلى أن هجمات المستوطنين نفذت في حالات عديدة بدعم أو بمشاركة قوات الأمن التابعة للاحتلال الإسرائيلي، واستهدفت، إلى جانب أرواح الفلسطينيين، منازلهم ومركباتهم وأراضيهم الزراعية وأماكن عبادتهم.

إضافة إلى ذلك، سلّم نتنياهو إدارة الإدارة المدنية في الضفة الغربية إلى وزير المالية، كما منح وزير الأمن القومي، صلاحيات الشرطة وأمن الحدود، الأمر الذي وضع عمليا السيطرة على الضفة الغربية بيد تيارات اليمين المتطرف، وهيأ الأرضية لتصاعد أعمال العنف، وتسريع الاستيطان، والاستيلاء على الأراضي، وتهجير الفلسطينيين قسرا.

وتندرج هذه الإجراءات في إطار طموح الاحتلال إلى إحداث تغيير ديموغرافي وممارسة ضغوط شاملة على الفلسطينيين بهدف تهجيرهم قسرا وإجبارهم على الهجرة، وإحداث تغيير جذري في الجغرافيا والبنية السكانية للضفة الغربية؛ وهي استراتيجية يعتبرها مراقبون دوليون محاولة واضحة لفرض الضم الفعلي لهذه الأراضي.

وفي إطار عملية الجدار الحديدي التي نفذها الاحتلال في جنين وطولكرم وطوباس ونابلس عام 2025، جرى تدمير المنازل والمتاجر وشبكات المياه والكهرباء بواسطة الجرافات الثقيلة، ما أدى إلى تهجير عشرات الآلاف من السكان من عدة مخيمات.

وبالتوازي مع التوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين على سكان الضفة الغربية، يتكرس نمط متسارع لفرض وقائع جديدة على الأرض. 

فبعد مهاجمة المستوطنين للسكان الأصليين، وتخريب المنازل والمزارع، وطرد الأهالي، تبدأ إقامة البؤر الاستيطانية بنصب الخيام أو البيوت المتنقلة وجلب قطعان الماشية، قبل أن تتحول لاحقا إلى مستوطنات محصنة تحظى بحماية الجيش. 

وتتحول هذه البؤر إلى مراكز استعمارية تؤدي تدريجيا إلى عزل السكان عن محيطهم الاجتماعي، وحرمان المزارعين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، ومنع التجمعات البدوية من الوصول إلى المراعي ومصادر المياه والخدمات الأساسية.

وتنعكس أبعاد هذه الأزمة بوضوح في الإحصاءات الدولية الرسمية. إذ يظهر التقرير السنوي الرسمي لبعثة الاتحاد الأوروبي في الضفة الغربية وقطاع غزة أن الاستيطان وعنف المستوطنين في الضفة الغربية بلغا أعلى مستوياتهما خلال العقدين الأخيرين، مع اعتماد خطط لبناء 63,311 وحدة سكنية جديدة.

كما تشير البيانات إلى أن مساحة المراعي الواقعة تحت سيطرة المستوطنين ارتفعت من نحو 300 ألف دونم عام 2023 إلى أكثر من مليون دونم بحلول منتصف عام 2026، أي ما يعادل نحو 18% من مساحة الضفة الغربية، وهو ما يزيد على ثلاثة أضعاف المساحة السابقة.

ومنذ أكتوبر 2023، أصبح وصول الفلسطينيين إلى أجزاء واسعة من المنطقة ج، التي تشكل 61% من مساحة الضفة الغربية وتضم معظم الأراضي الزراعية، مقيدا بصورة كبيرة. ويعيش السكان الأصليون في ظروف تضيق فيها يوميا المساحات الآمنة للحياة، فيما تتزايد صعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية المتعلقة بالتعليم والعلاج والعمل.

وقد خلف هذا الواقع آثارا عميقة على المجتمع الفلسطيني، إذ إن عنف المستوطنين الإسرائيليين، والعمليات العسكرية المتواصلة، والقيود المتزايدة، لم تؤدِ فقط إلى استشهاد وإصابة آلاف الفلسطينيين، بل أسهمت في ترسيخ حالة من الخوف المزمن، وانتشار الاضطرابات النفسية، وتعميق الشعور الدائم بانعدام الأمن بين السكان.

 وأصبحت هذه الأزمة النفسية الصامتة، إلى جانب الدمار المادي، أداة استنزاف تستهدف الاستقرار النفسي للعائلات الفلسطينية، ولا سيما الأطفال، في مختلف أنحاء الضفة الغربية.

ولا يمكن فهم ما يجري في الضفة الغربية المحتلة باعتباره مجرد سلسلة من الاعتداءات المنفصلة والمتفرقة التي ينفذها المستوطنون، بمعزل عن السياسات البنيوية الأخرى التي ينتهجها الاحتلال. 

فما يجري اليوم يمثل نموذجا متكاملا ومنهجيا للاستعمار الاستيطاني والهيمنة على الأرض، عبر توسيع الاستيطان، وتعزيز الطابع العسكري، وفرض التهجير القسري، بما يهدد وجود المجتمعات الفلسطينية ذاتها.

وفي هذا السياق، لم تعد اقتحامات القرى، وإحراق المنازل، واقتلاع أشجار الزيتون، وتدمير البساتين والمزارع، وتخريب الممتلكات، وقتل المدنيين، ومصادرة الأراضي، وإغلاق الطرق، وإنشاء البؤر الاستيطانية الجديدة، أحداثا منفصلة عن بعضها البعض، بل أصبحت تجليات عملية لمشروع استعماري استيطاني يسعى تدريجيا إلى إحلال مجتمع استيطاني جديد محل السكان الأصليين، وإحداث تحول جذري في الجغرافيا والديموغرافيا والسيادة على الأرض.

ولا تمثل اعتداءات المستوطنين أعمالا فردية أو خارجة عن إطار السلطة، بل إنهم يؤدون دور الذراع التنفيذي غير الرسمي للدولة والجيش الإسرائيلي، بهدف تنفيذ استراتيجية الضم التدريجي والفعلي للضفة الغربية، من خلال تطبيق برنامج استراتيجي يرمي إلى حسم مستقبل المنطقة، ويستند إلى تسليح أكثر من 350 ألف مستوطن وتحويلهم إلى ذراع ميدانية تابعة للجيش.

ومن هذا المنطلق، فإن عنف المستوطنين لا يمكن أن يستمر من دون دعم الجيش الإسرائيلي. ولهذا السبب، وبالتزامن مع تصاعد هجمات المستوطنين المسلحين على القرى الفلسطينية، وسّع الجيش الإسرائيلي نطاق انتشاره في مختلف أنحاء الأراضي المحتلة بصورة ملحوظة. 

وأصبح المشهد اليومي في الضفة الغربية يجمع بين العمليات العسكرية داخل المدن والمخيمات، والتوسع الاستيطاني، والضغط المستمر على المجتمع الفلسطيني؛ حيث تدمر الجرافات أزقة المخيمات، وتنفذ الاقتحامات الليلية وحملات الاعتقال الواسعة، فيما يهاجم المستوطنون المسلحون القرى والمناطق الزراعية.

ويشكل الجمع بين عنف المستوطنين وتعزيز العمليات العسكرية للجيش جزءا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تثبيت التوسع الاستيطاني، وخلق ظروف استنزافية تدفع إلى التهجير التدريجي لسكان الضفة الغربية. فالمستوطنات الجديدة تمثل جزءا من السياسة الإسرائيلية الرامية إلى فرض وقائع جديدة على الأرض وتشديد القيود على السكان الفلسطينيين. 

المصدر: صحيفة اطلاعات

————————

المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

 

المقال السابقمن نجوم السينما إلى المؤثرين.. تحولات صناعة الأبطال لدى الأجيال
المقال التاليتقرير مصوَّر: غروبٌ يسبق الأربعين… توافدُ الزائرين إلى كربلاء المقدسة