شفقنا-أكد الشيخ محمد سروش محلاتي، في محاضرة ألقاها بمناسبة أربعينية الإمام الحسين (ع) بعنوان بنو أمية.. الحكم من موقع الألوهية، أن الفكر الأموي يجعل من طاعة الحاكم معيارا للحق، في حين أن مدرسة أهل البيت (ع) تجعل الحق هو معيار الطاعة. وأضاف أن هذين المنهجين شكلا نظامين فكريين وسياسيين مختلفين تماما، وقد ظهرت آثارهما في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي.
فثقافة الطاعة المطلقة للحاكم، التي أرساها معاوية في بلاد الشام، تحولت تدريجيا من سياسة حكم إلى خطاب ديني واجتماعي، أصبح فيه تقديم طاعة الحاكم على الحق والعدالة وكرامة الإنسان، بل وحتى على حرمة بيت الله الحرام، أمرا مسلّما به.
وأوضح أن فهم هذه الثقافة السياسية لا يقتصر على إصدار الأحكام على الماضي، بل يمثل إنذارا للحاضر، لأن الخطر يكمن في أن يعد الإنسان نفسه من أتباع مدرسة أهل البيت (ع)، بينما يعيد من حيث لا يشعر إنتاج بعض الأسس الفكرية والسلوكيات المنبثقة من الثقافة الأموية في فكره وممارسته.
إن النص الكامل لمحاضرة الأستاذ سروش محلاتي جاء على النحو الآتي:
في مناسبة أربعين الإمام الحسين (ع)، يبرز أحد الموضوعات المهمة والجديرة بالتأمل، وهو دراسة طبيعة التدين وفهم الدين السائدين في بلاد الشام؛ أي كيف كان أهل الشام يفهمون الدين؟ وما الفارق بين هذا الفهم وبين تعاليم مدرسة أهل البيت (ع)؟
وتنبع أهمية هذا الموضوع من أن قافلة الإمام أبي عبد الله الحسين (ع) دخلت بلاد الشام في شهر صفر، وفقا لما تذكره المصادر التاريخية. ومن هنا، فإن معرفة المناخ الفكري والثقافي والعقدي الذي كان سائدا في الشام تمثل ضرورة لا غنى عنها لفهم أحداث ما بعد عاشوراء فهما أدق.
وتكتسب هذه المسألة أهمية من زاوية أخرى، إذ يحتمل أن يكون جانب من التدين وفهم الدين السائد بين المسلمين عبر التاريخ قد تشكل تحت تأثير ثقافة الشام وأفكار بني أمية، أو تأثر بها على أقل تقدير. ولذلك، من الضروري إعادة قراءة هذا الإرث الفكري، والوقوف على كيفية تفكيرهم وطريقتهم في تفسير الدين.
إضفاء صفة الألوهية على الحكام… الإرث الفكري لبني أمية
من أبرز خصائص الفهم الديني الذي عمل بنو أمية على نشره أنهم أضفوا على الحكام وأولي الأمر نوعا من المقام الإلهي والحق الخاص. فوفقا لهذا التصور، لم يكن الحاكم مجرد مدير للشأن السياسي، بل كان يتمتع بمنزلة مقدسة، تخوله أن يمارس الحكم وكأنه يتصرف من موقع إلهي.
ورغم أن هذه الفكرة اتسع انتشارها لاحقا في العالم الإسلامي، فإن نماذج لها كانت معروفة في تاريخ الديانات والحضارات السابقة. فالقرآن الكريم ينهى الإنسان صراحة عن ادعاء الربوبية، ويؤكد أنه لا يحق لأي إنسان أن يضع نفسه في مقام الرب، ولذلك يذكر نماذج لأشخاص ادعوا الربوبية بعد أن بلغوا السلطة.
فقد قال فرعون لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، كما نقل القرآن عن النمرود ادعاءه الربوبية بقوله: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾. وحين سئل كيف يدعي ذلك، أحضر سجينين، فأمر بقتل أحدهما وأطلق الآخر، ثم قال: انظروا، إن الموت والحياة بيدي، فأنا الذي أقرر حياة الناس وموتهم.
ومن الناحية التاريخية، فإن وقوع مثل هذه الادعاءات أمر ثابت، لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يمكن لإنسان يؤمن بالله، أن يدعي في الوقت نفسه الربوبية؟ فإذا كان منكرا لوجود الله ثم ادعى الألوهية، فإن هذا الادعاء ـ وإن كان باطلا ـ يبقى قابلا للتصور، أما كيف يجتمع الإيمان بالله مع ادعاء مقام الربوبية؟ وهل يمكن الجمع بين الأمرين؟
يبين القرآن الكريم أن ذلك قد وقع، على الأقل في حالة فرعون. فعندما أعلن النبي موسى (ع) رسالته، قال حاشية فرعون له: ﴿أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾.
وتدل هذه الآية على أن فرعون، رغم ادعائه الربوبية، كان يؤمن هو نفسه بوجود آلهة. ومن ثم، فإن القرآن يقرر إمكان أن يرى الإنسان نفسه صاحب مقام إلهي، وفي الوقت نفسه يؤمن بوجود إله أعلى منه.
التفسير الثاني للربوبية… الربوبية بمعنى حق الحكم
وثمة تفسير آخر طرح لحل هذه الإشكالية، ومفاده أن المقصود بادعاء الألوهية هو في الحقيقة ادعاء الربوبية، كما في قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. غير أن الربوبية تحمل، على الأقل، معنيين: الأول هو الربوبية بمعنى استحقاق العبادة، والثاني هو امتلاك سلطة الأمر والنهي، وحق الطاعة المطلقة.
الربوبية السياسية في الفكر الأموي… الطاعة غير المشروطة
إن ما أوجده بنو أمية في التاريخ الإسلامي، وما شكل إحدى أكثر صفحاته قتامة، هو الترويج لهذا المعنى الثاني من الربوبية؛ أي الربوبية بمعنى استحقاق الطاعة المطلقة.
ففي هذا التصور، تكتسب أوامر الحاكم منزلة تجعل من الممكن التغاضي عن كل شيء في سبيل المحافظة عليها؛ إذ يمكن انتهاك القيم الأخلاقية، وتجاوز الأحكام الإلهية، وارتكاب أعظم الجرائم، لكن لا يجوز بأي حال مخالفة أمر الحاكم. وفي هذا البناء الفكري، لا يكون معيار الحق والباطل هو الحقيقة أو حكم الله، بل أمر الحاكم نفسه.
في فكر بني أمية طاعة الحاكم لا تعرف حدودا
إن هذا الكلام لا يمثل مجرد تبرير لجريمة، بل يعبر عن رؤية كاملة للعالم. ففي هذا المنطق، يصبح أمر الحاكم حجة قائمة بذاتها، ولا يملك الإنسان أساسا حق التفكير في صواب هذا الأمر أو خطئه؛ فوظيفته الوحيدة هي الطاعة، لا التفكير، ولا التقييم، ولا الاعتراض.
وبحسب هذا الفهم، فإن شمر لم يكن يرى نفسه مسؤولا حتى عن قتل سبط رسول الله (ص)، لأنه لم يكن ـ في نظره ـ سوى منفذ للأوامر. ولذلك، فهو لا يستحق لوما ولا يحمل إثما، لأنه أدى ما اعتبره واجبه.
وهذه هي الفكرة التي رسخها بنو أمية في المجتمع الإسلامي؛ فكرة لا تعرف فيها طاعة الحاكم حدودا، ولا تستثني مجالا من مجالات الحياة. ففي مثل هذا النسق الفكري، تتقدم أوامر الحاكم على جميع القيم؛ فلا العدالة، ولا الأخلاق، ولا الحقيقة، ولا حتى حرمة دم ابن رسول الله (ص)، يمكن أن تشكل قيدا أو حداً للطاعة.
وهكذا تتحول الطاعة، التي هي في أصلها تكليف مشروع، إلى قيمة مطلقة وغير مشروطة، تضحّى في سبيلها بكل شيء. وهذا هو بالضبط الفهم للدين الذي وقفت مدرسة أهل البيت (ع) في مواجهته، وتحملت من أجل نفيه وإبطاله أفدح التضحيات.
النهاية


