شفقنا-لا تقتصر التحولات السياسية في باكستان بعد إقالة عمران خان ثم إقصائه القسري عن المشهد، على مصير زعيم سياسي أو حزب بعينه، بل تعكس تحولا عميقا في أنماط الشرعية السياسية، وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وفي إعادة تعريف توازن القوى بين المؤسسات الرسمية والقوى الاجتماعية في البلاد.
تركز معظم التحليلات المنشورة بشأن تطورات باكستان بعد إقالة عمران خان على التنافس بين حزب حركة الإنصاف الباكستانية، والحكومات الائتلافية، ومؤسسات السلطة. وعلى الرغم من أهمية هذه المتغيرات لفهم المسارات الجارية، فإن هذا النهج لا يكفي لتفسير الطبيعة الحقيقية للأزمة السياسية في باكستان.
فما تشهده البلاد منذ عام 2022 حتى الآن ليس مجرد صراع على السلطة، بل هو مؤشر على دخول باكستان مرحلة انتقال سياسي أصبحت فيها الأسس التقليدية للشرعية تواجه تحديات غير مسبوقة، في حين لم تبلغ مصادر الشرعية الجديدة بعد مرحلة الاستقرار المؤسسي.
إن الأزمة الراهنة لا يمكن تفسيرها على نحو كاف بمفاهيم من قبيل التنافس الحزبي، أو الاحتجاجات في الشوارع، أو التوترات بين الحكومة والمعارضة.
انهيار العقد السياسي التقليدي في باكستان
منذ استقلال باكستان عام 1947، تشكلت آلية غير مكتوبة بين الجيش، والبيروقراطية، والنخب الاقتصادية، والأحزاب السياسية، لتشكل الركيزة الأساسية للنظام السياسي في البلاد. ووفقا لهذا النموذج، كان الجيش ضامنا للأمن والاستقرار الوطني، وكانت البيروقراطية حافظة لتماسك الدولة، فيما تولت الأحزاب إدارة التنافس السياسي.
وعلى الرغم من أن هذه الآلية واجهت، في مراحل مختلفة، أزمات ناجمة عن تدخل الجيش، وجماعات النفوذ، والتطرف، والتوترات العرقية، والمشكلات الاقتصادية، فإنها نجحت في الحيلولة دون انهيار بنية الدولة. غير أن ما حدث خلال السنوات الأخيرة يتجاوز مجرد خلاف سياسي اعتيادي.
فللمرة الأولى، لم تعد شرائح من المجتمع الباكستاني تعترض على أداء الحكومات فحسب، بل بدأت تشكك في قواعد توزيع السلطة ذاتها. وتكمن أهمية هذا التحول في أن الاعتراض على سياسات حكومة معينة يعد ظاهرة طبيعية في الأنظمة السياسية، أما الاعتراض على الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي فيشير إلى انتقال الأزمة إلى مستوى أكثر عمقا.
وفي ظل هذه الظروف، أخذت الشرعية التاريخية للمؤسسات التقليدية تتآكل تدريجيا. فلم تعد الأحزاب السياسية التقليدية قادرة على الحفاظ على قواعدها الاجتماعية كما في السابق، وأصبحت البيروقراطية تواجه أزمة في الكفاءة، بل إن المؤسسات التي تمتعت لعقود بأعلى مستويات الثقة العامة باتت اليوم موضع تساؤلات جديدة من قبل المجتمع. وقد أدخل هذا الواقع باكستان مرحلة يتحدد فيها مستقبلها، لا من خلال التنافس بين الأحزاب، بل من خلال إعادة بناء العقد السياسي بين الدولة والمجتمع، أو الإخفاق في ذلك.
انتقال حزب حركة الإنصاف من حزب سياسي إلى حركة هوياتية
لا ينبغي تقييم مستقبل حزب حركة الإنصاف الباكستانية وفق المعايير التقليدية للأحزاب السياسية، لأن هذا النوع من القراءة لا يقدم فهما دقيقا للتحولات التي شهدتها السنوات الأخيرة. فقد تحول الحزب تدريجيا، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2024، من حزب انتخابي إلى حركة اجتماعية ـ هوياتية، ويعد هذا التحول أهم أسباب بقائه رغم الضغوط السياسية والقانونية الواسعة التي تعرض لها.
فعلى خلاف الأحزاب التقليدية في باكستان، التي تقوم في الغالب على شبكات عرقية أو قبلية أو عائلية، نجح حزب حركة الإنصاف في تنظيم شرائح من الطبقة الوسطى الحضرية، والطلاب، والمهنيين الشباب، ورواد الأعمال، والباكستانيين المقيمين في الخارج، ضمن هوية سياسية مشتركة.
وبالنسبة لهذه الفئات، لا يمثل دعم الحزب مجرد خيار حزبي، بل يعبر عن موقف معارض للنظام السياسي القائم. ولهذا السبب، فإن استبعاد القيادات، أو فرض القيود الإعلامية، أو ممارسة الضغوط القضائية، لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار القاعدة الاجتماعية للحزب.
فالسلطة لا تواجه تنظيما سياسيا تقليديا، وإنما شبكة من الأنصار الذين بات جزء مهم من هويتهم السياسية قائما على معارضة البنية السياسية الحالية. ومع ذلك، فإن أكبر تحد سيواجه الحزب خلال السنوات المقبلة يتمثل في مسألة الخلافة القيادية.
الجيش ومفارقة السلطة
لا يكتمل أي تحليل لمستقبل السياسة الباكستانية من دون دراسة موقع الجيش. ومع ذلك، فإن أهم تحول شهدته السنوات الأخيرة لا يتمثل في تراجع قوة الجيش بحد ذاته، وإنما في تغير العلاقة بين القوة والشرعية.
فقد نجح الجيش الباكستاني طوال عقود في ترسيخ صورته بوصفه المؤسسة الأهم في حفظ استقرار البلاد. وأسهم ضعف الأحزاب، والأزمات الأمنية، وعدم كفاءة الحكومات المدنية، في تعزيز هذا الموقع.
غير أن التطورات التي أعقبت عام 2022 أوجدت واقعا مختلفا. فللمرة الأولى في التاريخ المعاصر لباكستان، جعلت شرائح واسعة من الطبقة الوسطى الحضرية ومن جيل الشباب دور الفاعلين فوق الحكوميين في العملية السياسية قضية للنقاش العام.
وقد أفضى ذلك إلى نشوء ما يمكن تسميته بمفارقة السلطة. فكلما ازداد تدخل الجيش في إدارة الأزمات السياسية، ارتفعت كلفته الاجتماعية والسياسية، وكلما ابتعد عن التدخل، ازدادت مخاطر عدم الاستقرار.
ولهذا، فإن الاستراتيجية الأكثر ترجيحا للجيش خلال العقد المقبل تتمثل في الانتقال نحو إدارة السياسة بصورة غير مباشرة ومؤسساتية؛ وهي استراتيجية تستهدف الحفاظ على النفوذ الاستراتيجي، مع تقليص الكلفة السياسية.
وعليه، فإن مرحلة ما بعد عمران خان لا تعني بالضرورة عودة كاملة للأحزاب التقليدية. وفي الوقت الراهن، يمكن رصد ثلاثة مسارات لإعادة إنتاج النخب السياسية.
المسار الأول يتمثل في الجيل الجديد من قادة الأحزاب التقليدية، مثل مريم نواز وبلال بوتو زرداري، الذين يسعون إلى تقديم صورة أكثر حداثة للسياسة العائلية.
أما المسار الثاني، فيتمثل في القيادات الصاعدة داخل حزب حركة الإنصاف، التي تستمد شرعيتها من خطاب الإصلاح والحشد الاجتماعي.
في حين يضم المسار الثالث مجموعة من الناشطين المدنيين، والأكاديميين، والخبراء الاقتصاديين، والشخصيات الإعلامية، الذين لم يدخلوا بعد ميدان السياسة الرسمية، لكنهم يمتلكون القدرة على التحول إلى قادة المستقبل.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن المنافسة بين هؤلاء الفاعلين ستقوم، أكثر من أي وقت مضى، على القدرة على معالجة الأزمات الاقتصادية، وخلق فرص العمل، وإصلاح بنية الحكم. وقد يشكل هذا التحول التدريجي أهم تغير سياسي تشهده باكستان منذ تسعينيات القرن الماضي.
المصدر: موقع مطالعات شرق
————————
المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–


