فورين بوليسي: أزمة “باتريوت” تدفع الغرب لمراجعة استراتيجية الدفاع عن أوكرانيا

شفقنا- في وقت تتصاعد فيه الهجمات الروسية على المدن الأوكرانية، تتزايد المخاوف الغربية من محدودية قدرة منظومات الدفاع الجوي الحالية على التصدي للصواريخ الباليستية، وسط نقص في الصواريخ الاعتراضية من طراز “باتريوت”.

وفي هذا السياق، يدعو خبراء عسكريون إلى إعادة صياغة استراتيجية الدفاع، عبر الانتقال من الاكتفاء باعتراض الصواريخ إلى استهداف منصات إطلاقها ومنشآت تصنيعها داخل العمق الروسي، رغم ما يحمله هذا الخيار من مخاطر تصعيد مع موسكو، بحسب تحليل نشرته مجلة “فورين بوليسي”.

قال الزميل المشارك في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، فرانز شتيفان غادي، في تحليل نشرته مجلة “فورين بوليسي”، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تراجع عن تلميحاته السابقة بشأن منح أوكرانيا ترخيصا لإنتاج صواريخ “باتريوت” الاعتراضية محليا، كما يبدو أن واشنطن رفضت طلب كييف بالحصول على 300 صاروخ إضافي من هذا الطراز.

وأوضح الكاتب أن حتى الموافقة على هذين الطلبين لم تكن كفيلة بحل الأزمة، لأن المشكلة الأساسية تكمن في محدودية الإنتاج الأمريكي، إذ لا يتجاوز عدد صواريخ “باك-3” الاعتراضية التي تنتجها الولايات المتحدة سنويا نحو 600 صاروخ، بينما قد تحتاج أوكرانيا إلى ما بين 150 و180 صاروخا في شهر واحد خلال فترات التصعيد العسكري.

وأضاف أن إنشاء خطوط إنتاج جديدة يتطلب سنوات، كما أن إدارة ترامب لا تبدو مستعدة لنقل التكنولوجيا الحساسة الخاصة بمنظومات “باتريوت”، بما يشمل أنظمة التوجيه والباحثات ومحركات الوقود الصلب وبرمجيات التحكم.

من اعتراض الصواريخ إلى استهداف منصات إطلاقها

يرى غادي أن الأزمة الأوكرانية تفرض على الولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي إعادة التفكير في فلسفة الدفاع الجوي، مؤكدا أن التركيز لا ينبغي أن يقتصر على زيادة إنتاج الصواريخ الاعتراضية، بل يجب أن يمتد إلى تبني استراتيجية “استهداف الرامي” بدلا من الاكتفاء باعتراض “السهام”.

ويقوم هذا المفهوم العسكري على ضرب منصات إطلاق الصواريخ الباليستية ومنشآت تصنيعها ومراكز القيادة والبنية التحتية العسكرية التي تمكن الخصم من مواصلة إطلاق الصواريخ، بدلا من انتظار وصولها إلى أهدافها ومحاولة اعتراضها.

وأشار الكاتب إلى أن هذا النهج يتطلب أسلحة بعيدة المدى وقرارات سياسية أكثر جرأة، كما يثير مخاوف كبيرة من احتمال التصعيد، وهو ما يستوجب – بحسب رأيه – حسم الموقف السياسي قبل اندلاع أي مواجهة أوسع.

ولفت التحليل إلى أن أوكرانيا بدأت بالفعل تطبيق هذا المفهوم، مستفيدة من المعلومات الاستخباراتية الغربية، عبر شن هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ بعيدة المدى استهدفت مصافي نفط ومستودعات وقود وموانئ ومنشآت صناعات عسكرية داخل روسيا.

وأشار إلى أن كييف استخدمت أربعة صواريخ من طراز “إف بي-5 فلامينغو” لضرب مصنع “تيتان باريكادي” في مدينة فولغوغراد، إضافة إلى مصنع “فينير بروغريس” في تشيبوكساري، وهما منشأتان تنتجان مكونات تدخل في تصنيع الصواريخ الروسية.

وبحسب الكاتب، فإن الهدف من هذه الضربات يتمثل في تقليص قدرة موسكو على إنتاج الصواريخ وتقويض قدرتها على مواصلة الحرب على المدى الطويل.

التجربة الإيرانية نموذج آخر

واستشهد الكاتب بالعمليات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، معتبرا أنها قدمت مثالا عمليا على فعالية استراتيجية “استهداف الرامي”، إذ ركزت الضربات على منصات الإطلاق ومراكز القيادة الإيرانية، ما أدى إلى تقليص قدرة طهران على تنفيذ موجات صاروخية متتالية، حتى وإن لم يقض عليها بالكامل.

ورأى أن هذه الضربات ساهمت في تخفيف الضغط على الدفاعات الجوية الإسرائيلية أكثر مما فعلت الصواريخ الاعتراضية نفسها، في وقت تعاني فيه إسرائيل أيضا من نقص في مخزونها من هذه الصواريخ.

وأكد غادي أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بالقدرات العسكرية، بل بالإرادة السياسية، إذ لا يزال كثير من صناع القرار في أوروبا ينظرون إلى توجيه ضربات داخل العمق الروسي باعتباره خطوة تنطوي على خطر التصعيد النووي.

وأشار إلى أن العقيدة الجديدة لحلف الناتو الخاصة بـ”العمليات متعددة المجالات” تنص نظريا على تنفيذ ضربات عميقة ضد الدفاعات الجوية والبنية التحتية الحيوية والمنشآت الصناعية للخصم، إلا أن تطبيق هذه العقيدة في مواجهة دولة نووية مثل روسيا يبقى محل شك.

وأضاف أن موسكو قد تلجأ إلى التهديد باستخدام السلاح النووي أو اعتبار الضربات الغربية تهديدا مباشرا لقدراتها النووية وأنظمة الإنذار المبكر، وهو ما يزيد من تعقيد القرار السياسي.

انتقادات للتردد الغربي

وانتقد الكاتب ما وصفه بالتردد الغربي في تزويد أوكرانيا بالأسلحة بعيدة المدى، مشيرا إلى أن المخاوف من التصعيد أخرت سابقا تسليم كييف أنظمة “هيمارس” وصواريخ “أتاكمز”، كما لا تزال ألمانيا ترفض تزويدها بصواريخ “توروس”، بينما ترفض شركة “سبيس إكس” السماح باستخدام خدمة “ستارلينك” فوق الأراضي الروسية.

وأوضح أن هذه التأخيرات منحت روسيا وقتا للتكيف مع الأسلحة الجديدة، ما حد من تأثيرها العملياتي عند دخولها الخدمة.

واختتم الكاتب تحليله بالتأكيد على أن الحرب في أوكرانيا تفرض على الولايات المتحدة وأوروبا إجراء نقاش صريح بشأن استعدادها لتحمل مخاطر التصعيد في مواجهة روسيا.

وشدد على أن حلف الناتو سيكون أكثر قدرة على ردع موسكو إذا أوصل رسالة واضحة بأنه لن يكتفي باعتراض الصواريخ، بل سيعمل أيضا على تدمير مصادر إطلاقها، محذرا من أن استمرار التردد السياسي قد يشجع روسيا على مواصلة تنفيذ هجمات صاروخية واسعة ضد المدن الأوكرانية وربما الأوروبية مستقبلا، بحسب ما خلص إليه تحليل مجلة “فورين بوليسي”.

المقال السابقماذا بحثت جولة المفاوضات الجديدة في روما بين لبنان وإسرائيل؟
المقال التاليإيران تطلق لأول مرة صاروخ “حاج قاسم” ضد قواعد أمريكية في المنطقة