حرائق فرنسا.. تأخر طائرات الإطفاء يفاقم الأزمة

شفقنا – بعد أربعة أعوام من تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالاستثمار في مكافحة حرائق الغابات، تواجه الحكومة عقب حرائق فرنسا اتهامات بعدم الوفاء بوعودها، وعدم تجهيز البلاد بما يكفي لمواجهة نيرانٍ تزداد خطورة واتساعاً عاماً بعد آخر.

بعد حرائق فرنسا عام 2022 التي أتت على أكثر من 70 ألف هكتار وصُنّفت يومها موسماً استثنائياً في تاريخ البلاد، تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسمياً بأنّ بلاده “ستستثمر بكثافة” في وسائل مكافحة حرائق الغابات، وأنها ستستبدل طائرات “كنداير” التي تملكها وترفع عددها من 12 إلى 16 طائرة، قبل نهاية ولايته عام 2027، إلى جانب تمويل أكثر من ألف آلية إطفاء جديدة.

لكنّ موسم الحرائق غير المسبوق الذي تشهده البلاد هذا العام بدأ من دون إضافة أي طائرة جديدة، وبـ541 آلية فقط من أصل 1083 وعدت بها الحكومة. وكانت وزارة الداخلية الفرنسية قد رفعت حصيلة المساحات المحترقة إلى 119 ألف هكتار في آخر تحديث شامل نشرته في نهاية يوليو/ تموز الماضي، قبل حرائق عديدة اندلعت منذ ذلك الوقت، وفي موسمٍ لم ينتهِ بعد، ما قد يرشّح عام 2026 لتسجيل أعلى حصيلة سنوية للمساحات المحترقة في تاريخ البلاد. وبعد أربعة أعوام من وعود ماكرون، تواجه الحكومة الفرنسية اتهامات بعدم الوفاء بوعودها، وعدم تجهيز البلاد بما يكفي لمواجهة مواسم الحرائق التي تزداد خطورة واتساعاً عاماً بعد آخر.

وأعادت حرائق فرنسا هذا الصيف إلى الواجهة تحذيرات نقابات رجال الإطفاء وباحثين في المناخ ومسؤولين محليين، يقولون منذ سنوات إنّ امتداد الخطر إلى مناطق جديدة يفرض زيادة الموارد وتوزيعها على نحو مختلف، فيما اتّهمت أحزاب اليسار الحكومة بالتأخّر في تكييف الأمن المدني مع آثار الاحترار المناخي. يقول لوران غيوتو، الأمين العام لـ”الكونفدرالية العامة للشغل” في جهاز الإطفاء والإنقاذ بإقليم بوش دو رون، إنّ الحكومة “لم تحضّر البلاد كما يجب، لأنها لم توفر الوسائل التي تتناسب مع حرائق تتكرّر وتزداد ضخامة”. وتردّ الحكومة على مثل هذه الاتهامات بأنّ موازنة الأمن المدني ارتفعت من نحو 450 مليون يورو عام 2017، الذي شهد وصول ماكرون إلى الحكم، إلى أكثر من 800 مليون هذا العام، وأنها استثمرت أكثر من 1.5 مليار يورو في تحديث معدّاته.

كما اتّهم نواب اليسار زعيم حزب “النهضة” الحاكم، والمرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة غابرييل أتال، بتحمّل جزء من المسؤولية بسبب قرار اتخذه حين كان رئيساً للوزراء عام 2024، واقتطع بموجبه أكثر من 52 مليون يورو من اعتمادات الأمن المدني، ضمن خطة توفير أوسع بلغت قيمتها عشرة مليارات يورو. وخلص تقرير مجلس الشيوخ في العام ذاته إلى أنّ القرار أجبر المديرية العامة للأمن المدني على التخلي عن طلب طائرتَي “كنداير” خارج برنامج الشراء الأوروبي. وردّ أتال بأنّ حكومته لم تُلغِ طلباً قائماً، وأنها كانت أول حكومة فرنسية منذ عشرين عاماً تطلب طائرتين من هذا النوع. لكن المعطيات تُظهر أنّ الاتحاد الأوروبي هو الذي موّل شراء الطائرتين اللتين يستند إليهما أتال في دفاعه، وجاء التعاقد عليهما على أساس مفاوضات بدأت قبل وصوله إلى رئاسة الوزراء.

وأياً يكن الحال، فإنّ ماكرون لم يعد قادراً على الوفاء بالوعد الذي قطعه. فالطائرتان الممولتان أوروبياً لن تصلا قبل عام 2028، أي بعد عام من مغادرته السلطة، فيما وقّعت الدولة في يونيو/ حزيران الماضي عقداً يقارب 200 مليون يورو لطائرتين أخريين، يُنتظر تسليمهما عامَي 2032 و2033. وحتى ذلك الحين، ستعتمد فرنسا على طائراتها الـ12 الحالية، التي يصفها طيارون ونقابات بأنها متقادمة، إذ يبلغ متوسط عمرها 26 عاماً، ما يزيد من فترات الصيانة، ومن الحاجة إلى قطع الغيار التي لا يمكن توفيرها بصورة سريعة.

في هذا الإطار، يقول رئيس النقابة الوطنية لأطقم الطيران المدني جان بيير مونييه، إنّ الطيارين “موجودون ومدرّبون”، لكنهم لا يستطيعون الإقلاع حين تكون الطائرة في الصيانة أو تنتظر قطعة غيار. ويضيف أنّ انتقال الحرائق إلى مناطق جديدة في شمال البلاد يفرض تجهيز مطارات إضافية بالمياه والوقود، وهو تأخُّر لا يعالجه شراء الطائرات وحده، ويتطلب خطة أوسع تشمل البنى التحتية.

وفي خلال حريق جيروند، جنوب غربي البلاد، الذي أتى في نهاية يوليو الماضي على 42 ألف هكتار، ووُصف بأنّه أكبر حريق منفرد تشهده فرنسا منذ عام 1949، لم تكن متاحة في ذروة الأزمة سوى سبع طائرات “كنداير” من أصل 12، لأن الخمس الأخرى كانت تخضع للصيانة. وأمضى لوران غيوتو، كما يقول ثلاثة أيام في إخماد النيران، وهو يؤكد أنّ خمس أو ستّ طائرات كانت خارج الخدمة في بعض الأيام بسبب الصيانة، فيما كان على بقية الطائرات تغطية حرائق جيروند إلى جانب حرائق في إقليمَي فار والبيرينيه الشرقية وغيرهما. ولم يكن ممكناً، بحسب غيوتو، توفير العدد المطلوب من الطائرات لكلّ حريق، بسبب تعدد الجبهات وتعطل جزء كبير من الأسطول. ولم يقتصر النقص على الجو، إذ كانت الفرق البرية تعمل بأقصى طاقتها من دون عناصر وآليات كافية لمتابعة تدخل الطائرات واحتواء النيران، بحسب شهادته.

وتكشف خطة الآليات حجم الفارق بين ما وعدت به الدولة وما وصل إلى أجهزة الإطفاء، فمن أصل 1083 آلية موّلتها الحكومة والسلطات المحلية بعد حرائق 2022، دخلت 541 الخدمة حتى مطلع يوليو الماضي. وقالت وزارة الداخلية إنّ العدد سيرتفع إلى 747 بنهاية العام الجاري، فيما سيمتد التسليم إلى عام 2029. ويشرح غيوتو أنّ تصنيع بعض الشاحنات يستغرق بين عام ونصف العام وعامين، بحسب مواصفاتها، لكنه يشدد على أن الخطة تكتفي، في جانب كبير منها، بتعويض مركبات تخلت عنها أجهزة الإطفاء خلال العقدين السابقين بسبب قدمها. ولذلك، لن تمثل الدفعات الجديدة زيادة فعلية في عتاد قوات الإطفاء قياساً بما كان متاحاً بين عامَي 2010 و2015، على الرغم من تضاعف الحاجة إليها منذ ذلك الوقت.

وفي صفوف رجال الإطفاء، يبدو العدد الفعلي القابل للعمل في مكافحة النيران أقلّ ممّا توحي به الأرقام الرسمية. فهي تحصي أكثر من 250 ألف عنصر، لا تتجاوز نسبة المتفرغين منهم 20%، فيما يشكل المتطوّعون نحو 80%. لكن غيوتو يقول إنّ تعداد المتطوعين يشمل أطباء وممرضين وعناصر تقتصر مهماتهم على الإسعاف، فضلاً عن متدربين وآخرين أوقفوا نشاطهم، ما يجعل القوة المتاحة لإخماد الحرائق أقلّ بكثير من العدد المعلن.

وبعد انحسار النيران، اتّخذت مساءلة الدولة مساراً قضائياً نادراً من نوعه. فقد تجمّع نحو ألف من المتضررين بالحرائق في بلدتَي لو بورج وليج كاب فيريه في إقليم جيروند، استعداداً لتقديم شكوى جماعية بهدف التحقيق في القرارات التي سبقت احتراق 183 منزلاً في لو بورج. ويقول أعضاء في المجموعة إنّ وسائل الإطفاء نُقلت من بلدتهم لحماية منطقة كاب فيريه الأكثر ثراءً واستقطاباً للسيّاح، وإنّ أوامر الإخلاء والتحذيرات وصلت متأخرة أو لم تصل. ويدرس محاميهم اتّهام أجهزة الدولة بتعريض حياة السكان للخطر والمطالبة بالتعويض. من جانبه، نفى وزير الداخلية لوران نونيز صدور أي تعليمات بتفضيل منطقة على أخرى، فيما قال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إنّ اتهام السلطات بالتضحية ببلدة لو بورج لحماية كاب فيريه “كاذب”، وإنّ ألم السكان “يستغله أصحاب نظريات المؤامرة على منصات التواصل الاجتماعي”.

ومن صفوف المعارضة اليسارية أيضاً، حمّلت زعيمة حزب “الخضر” الفرنسي مارين توندولييه الدولة “مسؤولية ثقيلة” عن ضعف الاستعداد، وطالبت في نهاية يوليو الماضي بإعلان حالة طوارئ مناخية، فيما دعا حزب “فرنسا الأبية” إلى رفع موازنة الأمن المدني إلى مليار يورو، وعقد دورة استثنائية للبرلمان الذي توقفت جلساته في 21 يوليو، ولا يُفترض أن يستأنف أعماله قبل مطلع أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، بعد العطلة الصيفية. واستندت الانتقادات أيضاً إلى خفض موازنة “الصندوق الأخضر”، المخصص لتمويل مشروعات محلية تهدف إلى التكيّف مع آثار التغير المناخي، من نحو مليارين ونصف مليار يورو عام 2024 إلى 837 مليوناً هذا العام. وكانت النائبة عن حزب “الخضر” إيفا ساس قد انتقدت هذه التخفيضات في مقابلة مع “العربي الجديد” في يونيو الماضي، معتبرةً أن الحكومة “ضحّت بالسياسات البيئية بسبب خيارات التقشف والقيود المالية”.

من جانبه، ركّز حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، الذي كان حتى الأشهر القليلة الماضية من المشكّكين في حقيقة التغير المناخي، هجومه على الاقتطاعات التي أقرّها غابرييل أتال، غير أنّ أحزاب اليسار أعادت التذكير بأنّ نواب الحزب اليميني المتطرف في البرلمان الأوروبي عارضوا عام 2021 تعزيز آلية الحماية المدنية الأوروبية التي تعتمد عليها فرنسا اليوم في مكافحة الحرائق.

انتهی.

المقال السابقبالفیدیو ؛ غواتيمالا.. مشاهد جديدة لثوران قوي لبركان “فويغو”
المقال التاليبالفیدیو ؛ بولندا.. قطار يصدم مقطورة لنقل بالات من القش