روسيا في الشرق الأوسط.. من التدخل العسكري إلى الواقعية الدفاعية

شفقنا- تدخل السياسة الروسية في الشرق الأوسط مرحلة جديدة تتسم بالحذر وإعادة ترتيب الأولويات، في ظل استنزاف القدرات الروسية في حرب أوكرانيا وتغير المشهد السوري وتراجع قدرة موسكو على خوض تدخلات عسكرية واسعة في المنطقة.

أدخلت التحولات الجيوسياسية التي شهدها العامان الماضيان السياسة الروسية في الشرق الأوسط مرحلة من الغموض والانتقال. فقد فرض سقوط بشار الأسد في دمشق، وتراجع مكانة الجمهورية الإسلامية إقليميا، واستمرار الحرب الاستنزافية في أوكرانيا، مجموعة من الضغوط المتزامنة والمتناقضة على الكرملين، أفضت إلى تغير ملموس في نمط الحضور الروسي في الشرق الأوسط.

إذا كانت السنوات الماضية قد اتسمت بالتدخل العسكري المباشر لروسيا في سوريا وإظهار عودة موسكو إلى موقعها كقوة كبرى، فإن مؤشرات سياسة أكثر حذرا وأقل كلفة، قائمة على إدارة الأزمات، تبدو اليوم أكثر وضوحا من أي وقت مضى. ولا يعكس هذا التحول، بقدر ما يبدو، خروجا كاملا لروسيا من الشرق الأوسط، بقدر ما يشير إلى إعادة تعريف الأولويات الجيوسياسية للكرملين في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا والضغوط الساحقة الناجمة عن العقوبات الغربية.

حرب أوكرانيا: محفز لتغيير نموذج موسكو

تشكل حرب أوكرانيا أهم متغير محدد في سلوك السياسة الخارجية الروسية. فعلى خلاف عام 2015، عندما تمكنت موسكو، بالاعتماد على فائض قدراتها العسكرية، من إرسال جزء كبير من طاقتها إلى سوريا، فإن القدرات الاستراتيجية واللوجستية والمالية الروسية تكاد تكون اليوم مقيدة بالكامل على جبهة أوكرانيا. وفي ظل هذه الظروف، اضطر الكرملين إلى اتخاذ خيارات صعبة بين الحفاظ على نفوذه العالمي وإدارة موارده المحدودة.

وتجسد هذه السياسة نوعا من الواقعية الباردة. فقد أدركت روسيا أنها لا تستطيع في الوقت نفسه خوض مواجهة على جبهتين كبيرتين: إحداهما في أوروبا ضد حلف شمال الأطلسي الناتو، والأخرى في الشرق الأوسط في مواجهة الولايات المتحدة. ونتيجة لهذه الحسابات، أصبحت موسكو تتجنب المواجهة المباشرة مع واشنطن في مناطق أخرى من العالم، وتستبدل التدخلات العسكرية المكلفة بالدبلوماسية المرنة والدبلوماسية غير المباشرة.

ومن هذا المنظور، فإن رد الفعل الروسي المحدود نسبيا على سقوط حكومة بشار الأسد والهجمات المتكررة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد المصالح الإيرانية، لا يعود إلى عدم أهمية هذه التطورات أو ضعف التحليل الروسي، وإنما هو نتيجة لإعادة ترتيب قسرية لأولويات السياسة الخارجية لموسكو، بحيث أصبحت الأولوية لبقائها الداخلي وحربها في أوكرانيا.

سوريا: من المثالية العسكرية إلى الواقعية السياسية

كان التدخل الروسي في سوريا عام 2015 واحدا من أنجح العمليات الخارجية للكرملين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، إذ أسهم في تثبيت نفوذ موسكو في شرق البحر المتوسط واستعادة مكانتها الدولية. لكن الانهيار السريع لبنية السلطة في دمشق عام 2024 أثبت أن النجاحات العسكرية لا تؤدي بالضرورة إلى نفوذ سياسي مستدام.

وبما أن روسيا لم تعد تمتلك القدرة على تنفيذ تدخل بري واسع النطاق، فقد سارعت إلى إعادة تعريف استراتيجيتها، وتعاملت بواقعية كاملة مع القوى الجديدة في دمشق. ولم يعد هدف الكرملين في هذه المرحلة حماية الأشخاص، وإنما حماية القواعد. فقواعد طرطوس وحميميم في البحر المتوسط هي النقاط الوحيدة التي تحول روسيا من قوة أوراسية إلى لاعب بحري عابر للأقاليم.

ويكشف هذا التحول السريع أن الكرملين فضل التضحية بجزء من رصيده السياسي من أجل عدم قطع صلته العسكرية بالبحر المتوسط.

الميزان الاقتصادي: اللعب بورقة عدم الاستقرار

للوهلة الأولى، تبدو التطورات في سوريا وإيران بمثابة تراجع جيوسياسي للنفوذ الروسي. لكن هذا ليس سوى وجه واحد للعملة. فقد استفادت روسيا من التداعيات الاقتصادية للأزمات في الشرق الأوسط لصالح حربها. إذ أدت زيادة أسعار النفط والغاز وتصاعد التوترات في أسواق الطاقة عقب الأزمات الإقليمية إلى زيادة الإيرادات بالعملات الأجنبية لروسيا، وأسهمت في تخفيف جزء من ضغوط العقوبات الغربية.

وبعبارة أخرى، ففي الوقت الذي فقد فيه الكرملين جزءا من هيمنته السياسية في دمشق، استفاد من حالات عدم الاستقرار في المنطقة لتعزيز قدرته الاقتصادية على مواصلة الحرب في أوكرانيا. وهي استراتيجية تقوم على تحقيق أقصى قدر من المكاسب في ظل الضغوط.

الخلاصة: واقعية دفاعية في انتظار مستقبل مختلف

يبدو أن روسيا دخلت مرحلة من الواقعية الدفاعية، وهي مرحلة تصبح فيها المحافظة على الوضع القائم والحد الأدنى من النفوذ أولوية تتقدم على توسيع هذا النفوذ.

ويرتبط مستقبل حضور روسيا في الشرق الأوسط بصورة مباشرة بمصير الحرب في أوكرانيا.

إن السياسة الروسية اليوم لا تمثل تراجعا كاملا ولا نهاية لعصر الحضور الروسي في الشرق الأوسط، وإنما هي إدارة ذكية للقيود. ومع ذلك، فإن تراجع القدرة على دعم الحلفاء يضع المصداقية الجيوسياسية لموسكو أمام تحد جدي، ويطرح أمام الفاعلين الإقليميين سؤالا مفاده: هل لا تزال روسيا قادرة على أن تكون قوة ضامنة للأمن، أم أنها لم تعد سوى لاعب يحاول، بيد ضعيفة، الدفاع عن ما يمتلكه في مواجهة العاصفة الجيوسياسية؟

وستتحدد الإجابة عن هذا السؤال في ضوء معادلات الميدان العسكري في أوروبا ومدى مرونة الجهاز الدبلوماسي للكرملين في التعامل مع أزمات المنطقة.

المصدر: موقع ديبلماسي إيراني

————————

المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

 

المقال السابقالصحة العالمية: ثلث المرافق الصحية في السودان بات خارج الخدمة
المقال التاليإيكونوميست: طالبان باقية.. وعلى الغرب أن يتعامل مع الحقيقة الأفغانية