ترامب وماغا.. هل تتحول الشخصنة إلى نهج في السياسة الخارجية؟

شفقنا- دونالد ترامب في ولايته الثانية في البيت الأبيض، يواجه بيئة مختلفة عن ولايته الأولى؛ إذ أصبح الحزب الجمهوري أكثر تأثرا من السابق بتعدد الأصوات السائد داخل حركة اجعلوا أمريكا عظيمة من جديد أو ماغا، كما اكتسبت الحلقة المقربة من الرئيس دورا أكثر بروزا، وبرزت شخصيات تربطها بترامب علاقات شخصية أو عائلية في ملفات ترتبط بصورة مباشرة بأمن أوروبا والشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، تبرز التحليلات الإعلامية المنشورة في مجلة «فورين بوليسي» – إحداها حول روي كوهن، المحامي النافذ والمدرب السياسي لترامب في نيويورك، والأخرى حول جاريد كوشنر، صهره – سؤالا مشتركا: هل تتحول ممارسة ترامب السياسية القائمة على الشخصنة، من البنية الداخلية للسلطة إلى طاولات المفاوضات الدولية، إلى نموذج مستدام في مجال السياسة الداخلية والسياسة الخارجية للولايات المتحدة؟

وتكتسب الإجابة عن هذا السؤال أهمية خاصة من هذا المنظور، كما تبرز أهميته، لأن روي كوهن ليس مجرد محام مشهور في العقود الماضية، كما أن جاريد كوشنر ليس مجرد فرد من عائلة الرئيس.

 فكوهين يمثل نمطا من الأسلوب السياسي القائم على الضغط، والهجوم المضاد، والمبالغة في تقدير الولاء، والاستفادة من الفضاء الإعلامي؛ بينما يمثل كوشنر، على الأقل في نظر منتقديه، نموذجا لدخول منطق الصفقات والشبكات المحدودة من الموثوق بهم إلى ملفات يفترض، في العادة، أن تمر عبر القنوات المهنية للسياسة الخارجية الأمريكية. 

وتنتمي هاتان الشخصيتان إلى فترتين تاريخيتين مختلفتين، إلا أن الصلة بينهما تساعد على فهم بنية السلطة في إدارة ترامب الثانية، والتشكيلة الحكومية، وسياستها الخارجية.

تعدد أصوات ماغا

وصل ترامب إلى السلطة من خلال الحزب الجمهوري، لكن الترامبية تجاوزت في السنوات الأخيرة كونها مجرد تيار داخل الحزب، وأثرت في جزء كبير من لغة الحزب وأولوياته وآلياته السياسية. وفي مركز هذا التحول، يأتي شعار أمريكا أولا، وهو شعار يؤكد ظاهريا أولوية المصالح الداخلية للولايات المتحدة، إلا أن له في الواقع تفسيرات مختلفة. وعلى خلاف التصور الشائع، فإن ماغا ليست معسكرا موحد الصوت تماما.

وفي السياسة الخارجية لهذه الحركة، يمكن، على الأقل، تمييز ثلاث تيارات؛ فهناك مجموعة تؤكد الحد من التدخلات الخارجية، وخفض الالتزامات الباهظة، وتركيز الموارد على إعادة بناء الاقتصاد والإنتاج والقدرات الداخلية للولايات المتحدة. ومن وجهة نظرها، فإن تجربة الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان، وتكاليف الحضور العالمي لواشنطن، تبرز ضرورة إعادة النظر في أولويات السياسة الخارجية.

وإلى جانب هذا التيار، هناك تيار عملي أو واضع للأولويات، لا يدعو إلى انسحاب الولايات المتحدة الكامل من الساحة العالمية، ولا يقبل في الوقت نفسه باستمرار الالتزامات السابقة إلى أجل غير محدود. ويرى هذا التيار أن الحفاظ على القدرات العسكرية للولايات المتحدة وأدواتها الاقتصادية أمر ضروري، لكنه يصر على تركيز الموارد في المناطق والمنافسات التي تعد حاسمة لمستقبل القوة الأمريكية، ولا سيما منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

أما التيار الثالث، فهو أقرب إلى النهج الأكثر تشددا في السياسة الخارجية؛ وهو تيار يفسر أمريكا أولا ليس بمعنى تقليص الدور العالمي لواشنطن، بل بمعنى استعادة نفوذها من خلال الضغط الاقتصادي، والردع العسكري، والعقوبات، وفي بعض الحالات استعراض القوة.

وتشير الدراسات الحديثة حول الصراعات داخل معسكر ترامب أيضا إلى وجود اختلاف بين القوى المؤيدة للحد من التدخلات، وأصحاب الأولويات الاستراتيجية، والشخصيات التي تميل إلى سياسة الضغط. 

ويعد وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، أحد الشخصيات المهمة في إدارة ترامب الثانية في صفوف الصقور الأمريكيين أو التيار الثالث المهيمن. وكان قبل دخوله الحكومة عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية فلوريدا لسنوات، وأدى في 21 يناير 2025 اليمين الدستورية بوصفه وزير الخارجية الأمريكي الثاني والسبعين.

ويظهر وجوده أن إدارة ترامب لا تعتمد فقط على تيار انعزالي، بل تضم في داخلها أيضا أصواتا تؤكد بدرجة أكبر على أدوات القوة الصلبة والمنافسة مع خصوم الولايات المتحدة. وفي المقابل، يأتي فانس، وهو شخصية تنتمي إلى تيار يرى أن استعادة عظمة أمريكا مرهونة بالتركيز على الفعل ورد الفعل الداخليين.

غير أن هذا التعدد في الأصوات يقع في نهاية المطاف تحت ظل حقيقة واحدة؛ ففي إدارة ترامب، يتمركز مركز ثقل صنع القرار في شخص الرئيس والحلقة الموثوقة المحيطة به. ولذلك، فإن الخلاف حول مسار السياسة الخارجية ليس مجرد نزاع بين المؤسسات أو التيارات، بل يرتبط أيضا بدرجة ارتباط الأفراد بترامب، ومستوى ولائهم، وقدرتهم على البقاء ضمن دائرته القريبة.

روي كوهن؛ محام مكروه في عصر مكارثي

لفهم الجذور التاريخية للنمط السياسي لترامب، ينبغي العودة إلى روي ماركوس كوهن؛ وهو محام ولد في 20 فبراير 1927 في برونكس بنيويورك، وتوفي في 2 أغسطس 1986. وأكمل كوهن دراسته القانونية في جامعة كولومبيا بسرعة غير معتادة، وتخرج في كلية الحقوق بجامعة كولومبيا في سن العشرين.

تشكلت شهرته في البداية خلال السنوات الأولى من الحرب الباردة؛ وهي الفترة التي تحول فيها الخوف من النفوذ الشيوعي إلى أرضية للاستجوابات وتوجيه الاتهامات والمنافسات السياسية الحادة في الولايات المتحدة. وكان كوهن، بين عامي 1953 و1954، كبير مستشاري اللجنة الفرعية الدائمة للتحقيقات في مجلس الشيوخ الأمريكي؛ وهي اللجنة التي كان يرأسها جوزيف مكارثي، عضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية ويسكونسن.

وفي تلك السنوات، تحول مكارثي، من خلال طرح ادعاءات حول تسلل الشيوعيين إلى الحكومة الأمريكية، إلى أحد الشخصيات الرئيسة في السياسة الداخلية لهذا البلد. وقد تركت جلسات الاستجواب والاتهامات الواسعة في تلك الفترة، التي تعرف اليوم باسم المكارثية، آثارا عميقة في الأجواء السياسية والثقافية والقانونية في الولايات المتحدة، وفي نهاية المطاف، تعرض مكارثي نفسه للتوبيخ من قبل مجلس الشيوخ عام 1954.

ويستند مايكل هيرش، كاتب العمود في فورين بوليسي، في مقال له بعنوان حكومة مليئة بروي كوهن، إلى الكتاب الجديد لكاي بيرد وسوزان غولد مارك، بعنوان العار الأمريكي: المسار المظلم لروي كوهن من جو مكارثي إلى دونالد ترامب، ويجادل بأن كوهن، بعد مكارثي، تحول في نيويورك خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين إلى أحد الوسطاء النافذين في دوائر السلطة، وأن إرثه المظلم لا يزال ظاهرا في بعض جوانب ممارسة ترامب السياسية.

وفي رواية بيرد وغولد مارك، لم يكن كوهن في نيويورك خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين مجرد محام؛ فقد كان يتمتع بإمكانية الوصول إلى شبكة من أصحاب رؤوس الأموال والسياسيين وأصحاب وسائل الإعلام والناشطين الاقتصاديين، وكان يستخدم علاقاته لتسوية الملفات، والعثور على مسارات للنفوذ، وبناء بنك من العلاقات. وكانت هذه البيئة هي المكان الذي اقترب فيه ترامب الشاب، وهو مطور عقاري وشخصية صاعدة في سوق العقارات في مانهاتن، من كوهن.

المصدر: صحيفة اعتماد

————————

المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

المقال السابقمصدر إيراني يعلن عن اختبار منظومة دفاع جوي جديدة لأول مرة في عملية إسقاط مسيرة أمريكية
المقال التاليالبرلمان الفنزويلي يقر اتفاق النفط المعلن مع واشنطن