الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإنسان.. من يقود مسار التغيير؟

شفقنا – لم تبدأ ثورة الذكاء الاصطناعي بصوت مرتفع. لم تكن هناك لحظة واحدة أعلنت فيها البشرية انتقالها إلى عصر جديد، كما حدث مع الكهرباء أو الهاتف أو الإنترنت.

دخل الذكاء الاصطناعي إلى حياتنا بهدوء، عبر الهواتف ومحركات البحث ومنصات التواصل، ثم بدأ يكتب لنا، ويترجم لنا، ويصنع الصور والفيديو، ويحلل البيانات، ويقترح علينا ما نقرأ وما نشاهد. وبينما كنا نعتقد أننا نستخدمه، كان هو أيضاً يتعلم من الطريقة التي نستخدمه بها.

هنا تبدأ المسألة الحقيقية:

العالم الذي نعيش فيه ليس مجتمعاً واحداً متشابهاً. شعوبه مختلفة في أديانها وعقائدها وقومياتها ولغاتها وتاريخها وأعرافها وتجاربها السياسية والاجتماعية وهناك مجتمعات عاشت الحروب والهجرة والانقسامات، وأخرى ما زالت تعاني صراعات مسلحة أو أزمات اقتصادية وسياسية. ومع ذلك تدخل جميعها تقريباً إلى الفضاء الرقمي نفسه، وتستخدم أدوات ذكاء اصطناعي طُورت في بيئات وثقافات مختلفة.

فكيف نحافظ على خصوصية هذه المجتمعات داخل عالم تزداد فيه قدرة الآلة على إنتاج المعرفة؟

الذكاء الاصطناعي ليس تقنية واحدة.

هناك نماذج توليدية تكتب النصوص وتصنع الصور والأصوات والفيديو، وأنظمة تحلل كميات هائلة من البيانات، وأدوات تستخدم في الطب والهندسة والعلوم والتعليم، وأنظمة تدخل في الصناعة والنقل والخدمات.

وهناك أيضاً استخدامات عسكرية تشمل تحليل المعلومات ودعم القرارات والعمليات السيبرانية وتطوير أنظمة أسلحة ذاتية التشغيل.

وقد حذرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من المخاطر المرتبطة بتزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب، وشددت على ضرورة بقاء الحكم والسيطرة البشرية في القرارات التي تهدد حياة الإنسان.

وهذا يعني أن المجتمعات لا تواجه الذكاء الاصطناعي في زمن هادئ.

نحن ندخله في عالم يشهد حروباً وصراعات وحروباً معلوماتية، حيث لم تعد المعركة تدور فقط في البر والبحر والجو. المعلومات نفسها أصبحت ساحة للصراع، والصورة والفيديو والصوت يمكن إنتاجها أو التلاعب بها بسرعة يصعب معها أحياناً التمييز بين الحقيقي والمصطنع.

لذلك فإن السؤال بالنسبة إلى مجتمعاتنا ليس: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم نرفضه؟ ذلك السؤال حُسم عملياً.

الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من الاقتصاد والتعليم والإعلام والبحث والعمل. السؤال هو: كيف نستخدمه من دون أن يسمح لنا استخدامه بأن نفقد أنفسنا؟

فالهوية ليست متحفاً للماضي. هي لغة وذاكرة ودين وعادات وتاريخ ورواية جماعية، لكنها أيضاً قدرة المجتمع على تفسير حاضره وصناعة مستقبله. وإذا أصبحت الأجيال القادمة تحصل على معرفتها بتاريخها ولغتها وثقافتها من أنظمة ذكية لا تملك ما يكفي من المصادر المحلية، فقد تصبح الرواية التي تنتجها الآلة أكثر حضوراً من الرواية التي احتفظ بها أصحابها عبر قرون.

لهذا يجب أن تدخل مجتمعاتنا إلى الذكاء الاصطناعي بذاكرتها، لا أن تدخل إليه وهي تترك ذاكرتها خلفها. نحتاج إلى رقمنة الأرشيفات، وحفظ اللغات، وتوثيق التاريخ الشفهي، وإنتاج البيانات والمحتوى المحلي، وتطوير أدوات تفهم الخصوصيات اللغوية والثقافية.

لكن الهوية ليست التحدي الوحيد، فهناك سؤال العمل. تشير منظمة العمل الدولية في تحديثها لعام 2025 إلى أن نحو واحد من كل أربعة عمال عالمياً يعمل في مهنة لها درجة من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، مع تأكيدها أن النتيجة الأكثر احتمالاً في معظم الحالات هي تحول الوظائف أكثر من اختفائها بالكامل.

الأرقام تعطي فكرة عن حجم الفجوة. بلغ الاستثمار الخاص العالمي في الذكاء الاصطناعي 252.3 مليار دولار عام 2024، وفق مؤشر الذكاء الاصطناعي لجامعة ستانفورد. وإذا بقيت مجتمعات بأكملها مجرد مستهلكة للذكاء الاصطناعي، بينما تنتج مجتمعات أخرى أدواته وقواعده ومعاييره، فقد لا تكون الفجوة المقبلة تكنولوجية فقط، بل فجوة في القدرة على تعريف المستقبل نفسه.

وهنا يأتي دور الحكومات.. إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المجتمع يحتاج إلى سياسة عامة تبدأ من المدرسة والجامعة ولا تنتهي عند الاقتصاد. تستطيع الحكومات إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم، وتدريب المعلمين وأعضاء الهيئات التدريسية، وإدخال الثقافة الرقمية والتحقق من المعلومات ضمن المناهج. كما تحتاج إلى برامج تدريب مستمرة للموظفين والعاملين، وإعادة تأهيل من تتغير طبيعة وظائفهم، حتى لا تتحول الثورة التكنولوجية إلى فجوة اجتماعية جديدة.

ولا يقل دورها أهمية في دعم الابتكار، فالحكومات تستطيع إنشاء حاضنات ومراكز أبحاث، وتمويل الشركات الناشئة، وتشجيع الجامعات على تطوير حلول محلية في الزراعة والصحة والطاقة والمياه والتعليم والإدارة. بهذه الطريقة لا تبقى مجتمعاتنا مستهلكة للتكنولوجيا، بل تصبح قادرة على إنتاج جزء منها وتكييفها مع احتياجاتها.

وفي الوقت نفسه، تحتاج الدول إلى قواعد واضحة لحماية البيانات والخصوصية وأمن المعلومات ومواجهة التزييف الرقمي وتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات العامة. المطلوب ليس إغلاق الباب أمام التكنولوجيا، ولا تركه مفتوحاً بلا ضوابط، بل بناء إطار يسمح بالابتكار ويحمي الإنسان.

وهذا مهم خصوصاً للمجتمعات التي تدخل المستقبل وهي تحمل إرثاً من الانقسامات الدينية والقومية والعرقية، أو تعيش في مناطق لم تنته فيها الحروب بعد. عليها ألا تسمح للذكاء الاصطناعي بأن يصبح أداة جديدة لتعميق الانقسام، بل أن تحوله إلى وسيلة لحفظ اللغات، وتوثيق الذاكرة، وتطوير التعليم، وإعادة بناء ما دمرته الحروب، وربط الحاضر بالمستقبل.

لقد بدأت الثورة بالفعل. ولذلك فإن السؤال لم يعد متى سيصل الذكاء الاصطناعي إلى مجتمعاتنا. لقد وصل. السؤال الحقيقي هو: كيف ندخل المستقبل معه من دون أن نفقد هويتنا، وكيف نحافظ على إنسانيتنا في عالم تصبح فيه الآلة أكثر حضوراً في كل شيء؟

ربما لا يكون مستقبل البشرية في أن تنتصر على الذكاء الاصطناعي أو تخضع له. ربما يكون في أن تتعلم كيف تجعله يعمل لصالح الإنسان، بينما يبقى الإنسان هو من يحدد معنى الحياة، وقيمة الحرية، وحدود القوة، وما الذي يستحق أن نحافظ عليه للأجيال القادمة.

انتهى.

المقال السابقصيدلية متنقلة تابعة للعتبة الحسينية توفر العلاج الميداني والمجاني في محافظات مختلفة
المقال التالي150 جامعة تركية تدخل تصنيف عالمي للاستدامة لعام 2026