أمريكا تقرع طبول الحرب – مذكرات هاشمي رفسنجاني (16): الكونغرس يطلق يد بوش للحرب على العراق

شفقنا- في سلسلة تنشر يوميا على موقعنا، نقدم للقراء ترجمة متسلسلة ومقتبسة من كتاب «أمريكا تقرع طبول الحرب: 11 سبتمبر وتداعياته»، المستند إلى مذكرات آية الله هاشمي رفسنجاني، أحد أبرز الشخصيات السياسية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وقد تولى مكتب نشر معارف الثورة إعداد الكتاب وتحريره، بوصفه الجهة المعنية بنشر مؤلفات آية الله هاشمي رفسنجاني والإشراف عليها. وتتناول هذه السلسلة، من خلال شهاداته ومذكراته، حادثة 11 سبتمبر وتداعياتها، وما أحاط بها من تطورات ومواقف وقرارات، في محاولة لإلقاء الضوء على قراءة المسؤولين الإيرانيين لهذا الحدث المفصلي وتداعياته.

الفصل الثاني الجزء الخامس

وقفة في الهجوم على العراق

في الوقت الذي تتزايد فيه المعارضة الدولية للهجوم الأمريكي على العراق، بل وتواجه الإدارة الأمريكية نفسها معارضة داخلية متزايدة في هذا الشأن، أفادت الأنباء بأن الحكومتين الألمانية والفرنسية أعلنتا، في بيان مشترك، أن الولايات المتحدة لا يحق لها مهاجمة العراق من دون الحصول على تفويض من الأمم المتحدة.

ومن أجل الحيلولة دون تشكل إجماع عالمي ضد الولايات المتحدة وتحسين صورتها على الساحة الدولية، وافق جورج بوش على طلب العراق عودة مفتشي الأمم المتحدة، وتقرر في الوقت نفسه مواصلة العمل على استصدار قرار من مجلس الأمن. ويبدو أن الولايات المتحدة كانت تتوقع من هذا التزامن تحقيق نتائج في كلا المسارين؛ فمن جهة، يدفع الخوف من صدور قرار مجلس الأمن العراق إلى تقديم تنازلات للمفتشين، ومن جهة أخرى، فإن أي عقبة تواجه عملهم ستؤدي إلى تصعيد الضغوط الدولية لاستصدار قرار ضد العراق.

وفي تأكيده لهذا التوجه، قال بوش، عقب اجتماع مطول مع توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، إنهما يتفقان في الرأي بشأن التعامل مع العراق، لكنه أكد أن القرار النهائي بشن الحرب لم يتخذ بعد.

كما قدم، خلال اجتماع مع عدد من كبار المسؤولين الأمريكيين، دفاعا مطولا عن سياسته العسكرية وعن احتمال شن هجوم على العراق، وعدد جملة من الأسباب لهذا التوجه، منها امتلاك العراق أسلحة بيولوجية وكيميائية وصواريخ بعيدة المدى، وامتلاكه مقومات إنتاج أسلحة نووية، وتعاونه مع جماعات إرهابية، من بينها تنظيم القاعدة، فضلا عن سوابق استخدام هذه الأسلحة ضد إيران والشعب العراقي، ووضع صدام نفسه، الذي وصفه بأنه مستبد ومجنون ودكتاتور لا يرحم. وخلص إلى أنه إذا لم يسلم العراق هذه الأسلحة من تلقاء نفسه، فإن الولايات المتحدة، بمساعدة الآخرين، ستنتزعها منه، وهو ما يمثل بحد ذاته تراجعا عن حصر الحل في الحرب وعن اعتبار الخيار العسكري الطريق الوحيد.

وفي مواجهة احتمال سقوط قتلى أمريكيين، قال بوش إنه سيبذل كل ما في وسعه للحيلولة حتى دون مقتل جندي أمريكي واحد، وهو ما اعتبره البعض مؤشرا آخر على تراجع احتمالات الحرب. كما طلب من الكونغرس إقرار مشروع القانون الذي اقترحه، لكنه أكد أن إقراره لا يعني بدء الحرب فورا. وقد فسرت هذه التصريحات بدورها بوصفها مؤشرا آخر على أن الحرب ليست وشيكة، وأن الإدارة الأمريكية تتراجع أمام معارضي الحرب.

وفي المقابل، أعلنت الحكومة العراقية أن مفتشي الأمم المتحدة يستطيعون تفتيش أي مكان يريدونه، بل إنها وافقت حتى على تفتيش ثمانية من قصور صدام، التي كانت ترفض في السابق السماح للمفتشين بدخولها.

وفي الوقت نفسه، أعلنت فرنسا في 9 سبتمبر 2002 أنها تعمل على إعداد خطة من مرحلتين بشأن العراق ومناقشتها في مجلس الأمن الدولي. وتقضي المرحلة الأولى بمنح العراق مهلة أسبوعين للعودة غير المشروطة لمفتشي الأمم المتحدة، وفي حال رفض صدام حسين، يمنح مجلس الأمن تفويضا باتخاذ إجراءات عسكرية واستخدام القوة.

ويرى محللون سياسيون أن هذا التطور يعكس وجود تنسيق بين الولايات المتحدة وأوروبا لإجبار العراق على التعاون بصورة أكثر جدية مع مفتشي الأمم المتحدة، بأمل الحيلولة دون اندلاع الحرب.

وفي لقائي مع قائد الثورة في 17 سبتمبر 2002، ناقشنا ما أعلن عن تراجع الولايات المتحدة عن خطة مهاجمة العراق. واتفقنا على أن هذا التراجع لا يعكس قرارا جادا ونهائيا. وقد أكدت الأنباء التي وردت خلال الأيام التالية صحة هذا التقدير؛ فمن جهة، حالت الولايات المتحدة وبريطانيا، رغم موافقة الحكومة العراقية على مواصلة عمليات التفتيش التي يقوم بها مفتشو الأمم المتحدة، دون توجه المفتشين إلى العراق، ومن جهة أخرى، منح أعضاء الكونغرس الأمريكي البيت الأبيض تفويضا باستخدام أي وسيلة، بما في ذلك العمل العسكري، في التعامل مع العراق.

العراق بانتظار مجلس الأمن

اتهم الرئيس الأمريكي جورج بوش، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 12 سبتمبر 2002، العراق بالسعي إلى إنتاج أسلحة الدمار الشامل ودعم تنظيم القاعدة، وقال إنه إذا لم تتخذ الأمم المتحدة أي إجراء، فإن الولايات المتحدة ستهاجم العراق بمفردها. وكان قد وعد بتقديم وثائق جديدة لإثبات مشروعية شن الهجوم على العراق، لكنه لم يطرح شيئا جديدا، وإنما كرر ما سبق أن طرحه. وقبل بوش، دعا الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، في كلمته، الولايات المتحدة إلى عدم الانفراد بالقرار، وإتاحة المجال للأمم المتحدة لتتولى إدارة الشؤون الدولية.

وبالتزامن مع ذلك، نشرت الإدارة الأمريكية وثائق حول العراق، كان من أبرز ما ورد فيها إيواء العراق لعناصر منظمة مجاهدي خلق، الذين يواصلون تنفيذ أعمال إرهابية ضد إيران، وكذلك استخدام الحكومة العراقية الأسلحة الكيميائية أكثر من عشر مرات ضد إيران والكرد.

وفي الوقت الذي بدأ فيه وزير الخارجية الأمريكي كولين باول تحركا لاستصدار قرار ضد العراق في مجلس الأمن، بدأ الرئيس الأمريكي، في 19 سبتمبر 2002، تحركا مكثفا للضغط على العراق على جبهتين: الأولى داخل مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار يجيز اللجوء إلى القوة ضد العراق، والثانية داخل الكونغرس للحصول على تفويض بشن عمل عسكري ضد العراق.

وفي هذه الأثناء، أدى رضوخ الحكومة العراقية وقبولها بعودة مفتشي الأمم المتحدة إلى تعقيد موقف الولايات المتحدة ومجلس الأمن. وأصرت الولايات المتحدة على تمرير قرار جديد، ومنح العراق مهلة محدودة، وإضافة قضايا أخرى، من بينها حقوق الإنسان، إلى بنود القرار. غير أن روسيا والصين أكدتا أنه لا حاجة، في هذه المرحلة، إلى قرار جديد، وأنه ينبغي الانتظار لمعرفة ما إذا كان العراق سيلتزم بموقفه الجديد أم لا.

كما أعلن الرئيس الفرنسي جاك شيراك، في موقف حاد ضد الولايات المتحدة، أن فرنسا ستعارض اللجوء إلى القوة ضد العراق حتى لو وافق مجلس الأمن على ذلك. وأعلن مسؤولون ألمان، متأثرين بمواقف الرأي العام، معارضتهم الصريحة للسياسات الأمريكية تجاه العراق، وقالوا إن الولايات المتحدة تنتهج اليوم سياسة هتلر، وإنها تسعى، من خلال تضخيم قضية العراق، إلى التغطية على مشكلاتها الداخلية. كذلك وردت أنباء عن تصاعد المعارضة لشن الحرب على العراق في بريطانيا، حتى داخل حزب العمال. ومع اتساع نطاق هذه المعارضة، التقى جورج بوش وتوني بلير، اللذان توصلا إلى اتفاق بشأن نص مشروع القرار المقترح على مجلس الأمن، بممثلين عن الصين وفرنسا وروسيا، سعيا إلى إقناعهم والحصول على موافقة حكوماتهم على إقرار قرار جديد ضد العراق.

وفي هذه الظروف، جاء نيجيرفان بارزاني، رئيس حكومة البارزانيين الكرد في العراق، برفقة عدد من مرافقيه، في 22 سبتمبر 2002. وقد تحدث بارزاني عن أوضاع العراق، واحتمال شن الولايات المتحدة هجوما على العراق، وتوقعات الأمريكيين منهم، كما أعرب عن قلقه إزاء تجاوزات تركيا في کرکوك والإجراءات المحتملة التي قد تتخذها أنقرة بعد الهجوم الأمريكي على العراق، وطلب منا التفاوض مع تركيا ونصحها.

ولم يكن لديه معلومات عن موعد بدء الحرب أو كيفية تنفيذ الهجوم الأمريكي، لكنه قال إنه في حال اندلاع الحرب، فمن المحتمل أن تدخل القوات البرية الأمريكية إلى العراق عبر تركيا والأردن والكويت، وأن ينتهي الأمر بفرض حصار على بغداد. وأكد أن الأمريكيين يشعرون بالقلق إزاء موقف إيران من هجومهم المحتمل على العراق.

الذكرى الأولى لحادثة الحادي عشر من سبتمبر

في 11 سبتمبر 2002، عشية الذكرى الأولى للحادثة الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001، تحدثت في عدد من الخطب العامة بإسهاب عن هذه الحادثة. وقلت في جانب من هذه الخطب: لقد نشأت اليوم ظروف جديدة تماما في العالم كله، ظروف لم يشهد العالم مثيلا لها بهذا الاتساع من قبل. وقلت: قد كانت حادثة الحادي عشر من سبتمبر والأحداث التي أعقبتها نقطة انطلاق هذه الظروف الجديدة. وهي حادثة أحاطت بها شكوك وتساؤلات كثيرة، ولا تزال، بعد مرور عام كامل، أسئلة كثيرة حول كيفية وقوعها بلا إجابة. حتى إنه لم تستبعد فرضية أن كل شيء كان معدا مسبقا، وأنهم كانوا ينتظرون نقطة انطلاق؛ فإما أنهم صنعوا تلك النقطة، وإما أنها جاءت من تلقاء نفسها. وعلى أي حال، فإن هذه الحادثة كانت مأساة مؤلمة لآلاف الأشخاص الذين قتلوا فيها ولأسرهم، ومن الطبيعي أن يتعاطف كل إنسان معهم. ونحن، كما عبرنا عن تعاطفنا معهم آنذاك، نعبر عن تعاطفنا معهم اليوم أيضا.

لكننا نعتقد أن الحكومة الأمريكية أثبتت أنها ليست حريصة على مصلحة الأشخاص الذين قتلوا في تلك الحادثة؛ لأن الأحداث التي وقعت منذ الحادي عشر من سبتمبر وحتى اليوم كانت أحداثا سلبية، والأمريكيون يرسمون تاريخا سيئا. وبطبيعة الحال، كانت الحادثة نفسها كبيرة ومهمة ومفاجئة لشعوب العالم كافة، وفتحت فصلا جديدا في تاريخ الأحداث الإرهابية، وكان من الطبيعي أن تحظى باهتمام العالم كله. لكن أداء الولايات المتحدة بعد الحادثة فاجأ الجميع، شأنه شأن الحادثة نفسها، مع فارق أن أحدا لم يعد يبدي تعاطفا.

كما رأيت، استجابة لحاجة الرأي العام ومطالبه، أن من الضروري تقديم تحليل جديد لهذه الحادثة وتداعياتها. ولهذا تناولت الموضوع في خطبة الجمعة في طهران، في 13 سبتمبر 2002، وبعد استعراض الحادثة وتفاصيلها، حددت أهم النقاط والعناوين الرئيسية المرتبطة بها.

وفي بداية حديثي، أشرت إلى الشكوك والتساؤلات المتعلقة بكيفية وقوع الحادثة، وقلت: «إن تحركات الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من سبتمبر، والاستغلال الذي قامت بها الإدارة الأمريكية لهذه الحادثة، زادت تلك الشكوك والتساؤلات، وأوجدت شبهة مفادها أن الحادثة ربما صممت أساسا لتحقيق هذه الأغراض. ومن الغريب أنه، بعد مرور عام كامل، لم تتمكن الحكومة الأمريكية حتى الآن من تقديم منفذي هذه الحادثة إلى الرأي العام. فإذا كانت حقا عاجزة عن الكشف عنهم، فإن ذلك يدل على عجز أمريكي بالغ، وإذا كانت قد تمكنت من الكشف عنهم ولا تريد الإفصاح عن الأمر، فهذه أيضا خدعة خطيرة، ومحاولة أخرى لاستغلال الحادثة لتحقيق الأهداف نفسها.

ثم تناولت سياسة الولايات المتحدة في إشاعة الرعب والخوف داخل البلاد.

وذكرت بعد ذلك: «إن السلوك غير الأخلاقي للأمريكيين، الذين أوجدوا، من خلال مشاهد مصطنعة داخل بلادهم، أجواء من انعدام الأمن والترهيب والخوف، واستغلوا ذلك لتبرير سياساتهم العسكرية، فضلا عن تأكيد وصول عشرات التقارير، قبل وقوع الحادثة، إلى الأجهزة الاستخباراتية ووزارة الخارجية والبيت الأبيض، تفيد بأن مثل هذه الحادثة قد تقع، مع أنهم كانوا على علم بها إلى حد كبير ولم يتخذوا إجراءات فاعلة للحيلولة دون وقوعها، كل ذلك زاد من الغموض المحيط بكيفية وقوع حادثة الحادي عشر من سبتمبر، ومن الشكوك في حقيقة الحادثة نفسها.

ثم تناولت أهم تطور وقع بعد الحادي عشر من سبتمبر، وقلت إن الأمريكيين هاجموا أفغانستان بذريعة تورط تنظيم القاعدة في هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وبحجة أن حركة طالبان كانت تدعم التنظيم. وكان هذا الإجراء، في بدايته، مقبولا لدى الرأي العام العالمي، لكن بعد فترة قصيرة، وبسبب الأداء الخاطئ للأمريكيين، نشأت موجة عالمية من المعارضة لهذا الهجوم. ومع استمرار الوجود العسكري، وتصاعد الاشتباكات والقصف اليومي وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وجدت الولايات المتحدة نفسها عالقة في مستنقع المشكلات الأفغانية. وقد أدى ذلك إلى عجزها، خلال العام المنصرم، عن حل مشكلات أفغانستان وإعادة الهدوء والأمن الكامل إليها.

وفي ختام حديثي، تناولت مسألة العراق، وقلت إن الأمريكيين يعلنون هذه الأيام صراحة أنهم يريدون مهاجمة العراق. وذلك في الوقت الذي قوبل فيه هذا القرار بمعارضة معظم شعوب العالم وحكومات مختلفة، بل وبمعارضة عدد من السياسيين والشعب الأمريكي نفسه. وقد أكد هؤلاء جميعا أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن هما الجهتان اللتان ينبغي لهما اتخاذ القرار إذا خالف العراق قرارات مجلس الأمن، وليس الولايات المتحدة، وأن أمريكا ليست شرطي العالم، ولا يحق لها أن تنصّب نفسها «عمدة القرية العالمية».

وأكدت أن من المستبعد أن تكون الإدارة الأمريكية تجهل أن هذه المغامرات ستلحق بها الضرر على المدى البعيد. فالسياسي الواقعي لا يستطيع أن يتجاهل كل هذه الاعتراضات.

وفي نهاية المطاف، فإن الدولة التي تريد أن يكون لها حضور في كل مكان، لا تستطيع أن تواجه جموعا من الشعوب الغاضبة والعدائية والمصابة بالجراح. وهي، في العادة، تتجه نحو المسار الذي يتيح لها تحقيق أهدافها في أجواء يسودها الأمن والاستقرار. أما الولايات المتحدة، فلا تتمتع بمثل هذه الظروف في العالم.

وأضافت أن علينا حقا أن نفكر في مستقبل العالم وأن نتحلى باليقظة والحذر، وأن ننصح الأمريكيين بأن اتباع سياسة العسكرة والمغامرة في مختلف أنحاء العالم ليس حلا، وأن شن الحروب أملا في زيادة مبيعات الأسلحة أو سعيا إلى الحصول على الطاقة بأسعار أرخص، لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأوضاع وجعل الأمور أسوأ.

يد بوش طليقة لبدء الحرب

في وقت كانت فيه تظاهرات شعبية واسعة تجري في معظم البلدان، مصحوبة بشعارات وخطابات حادة احتجاجا على سياسة العسكرة الأمريكية، أصبحت المسيرة الجماهيرية الحاشدة التي نظمها الشعب البريطاني رفضا لسياسات بوش الحربية وانصياع توني بلير له في قضية العراق، حديث وسائل الإعلام العالمية. وتزامن ذلك مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى بوش داخل الكونغرس الأمريكي، بسبب استغلاله عسكرة الأجواء داخل البلاد وعلى الساحة الدولية لأغراض سياسية وانتخابية. كما اتهمه آل غور، منافسه في الانتخابات الرئاسية، بدفع الولايات المتحدة نحو العزلة على المستوى الدولي، وتعريض الشباب الأمريكي للقتل في ساحات الحروب.

وفي خضم هذه التطورات، أفادت الأنباء بأن مجلسي الكونغرس والشيوخ الأمريكيين وافقا أخيرا على طلب بوش تفويضه باستخدام القوة العسكرية ضد العراق، وفقا للصيغة التي طلبها الرئيس، وأن جورج بوش وقع وأصدر «قانون تفويض استخدام القوة المسلحة ضد العراق». وحتى حزب العمال البريطاني وافق على مشاركة بريطانيا مع الولايات المتحدة في شن الحرب على العراق.

وفسرت حكومات ووسائل إعلام غربية عديدة هذه الموافقات بأنها تعني أن يد الرئيس الأمريكي جورج بوش أصبحت طليقة لشن هجوم على العراق، واعتبرتها عاملا في تصاعد المخاوف من اندلاع الحرب.

ومن جهتي، تناولت هذا التطور في خطبة صلاة الجمعة في طهران، في 11 أكتوبر 2002، وأشرت إلى النزعة الأمريكية نحو إشعال الحروب والعسكرة، وقلت: «لقد منح الكونغرس الأمريكي بوش تفويضا بمهاجمة العراق. وهم يريدون بهذا القرار زيادة الضغط على مجلس الأمن، حتى يستصدروا قرارا يفتح الطريق أمام الولايات المتحدة لشن عدوان على العراق. ولا أحد يعرف إلى أين ستفضي الحرب التي يريدون إشعالها، وكم ستستمر، وما الأحداث التي ستقع خلالها. وحتى إذا نجحوا في إسقاط الحكومة العراقية، فما الذي سيحدث بعد ذلك؟ هذا الأمر غير واضح للعالم، بل إنه غير واضح للأمريكيين أنفسهم».

ثم أعربت عن أملي في أن يبقى الأمر في إطار الحرب النفسية، وأن يتمكن الأمريكيون، من خلال التهديد والترهيب السياسي، من الوصول إلى نزع سلاح العراق، وقلت:

«إذا تحقق ذلك، فنحن نقبله أيضا؛ لأننا لا نوافق على امتلاك العراق أسلحة خطرة. فقد أثبت البعثيون فعلا أنهم غير جديرين بالثقة. وما فعلوه في حلبجة والفاو ومدن كردستان وجزيرة مجنون، وما استخدموه من كميات كبيرة من القنابل الكيميائية، فضلا عن الصواريخ التي أطلقوها على المدن، أثبت أنهم لا يمكن أن يؤتمنوا على امتلاك مثل هذه القوة. وبصرف النظر عن ذلك، إذا لم تكن لدى الحكومة العراقية هذه الأسلحة، فسيرتاح شعبها أيضا، ولن تتسبب الحكومة العراقية بهذا القدر من الشر لنفسها ولجيرانها. لكن من الواضح أن الطريق الذي تسلكه الولايات المتحدة هو طريق ينتهي إلى الحرب».

وفي ختام حديثي، أكدت أن أي إجراء لنزع سلاح العراق يجب أن يتم عبر الأمم المتحدة، وبموافقة الدول الأخرى وتعاونها، حتى لا يتضرر الشعب العراقي، وحتى تبقى منطقتنا بعيدة عن تداعيات هذه الإجراءات.

وبالتزامن مع ذلك، بدأ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في 16 أكتوبر 2002، بحث الملف العراقي استنادا إلى مشروع القرار الذي تقدمت به الولايات المتحدة، وذلك وسط معارضة واسعة من الدول للإجراءات الأحادية التي كانت تتخذها واشنطن.

زيارات مثيرة للجدل

في وقت كانت فيه المخاوف من احتمال شن هجوم أمريكي على العراق تتزايد يوما بعد يوم، وكان قائد الثورة قد أصدر توجيهات بمعارضة الحرب الأمريكية والبريطانية على العراق صراحة، وأعلن أن أي مساعدة تقدم للولايات المتحدة في هجومها على العراق غير مشروعة، حظيت أنباء زيارة ناجي صبري، وزير الخارجية العراقي، إلى إيران في 30 سبتمبر 2002، وزيارة وزير الخارجية البريطاني إلى إيران في 10 أكتوبر 2002، بتغطية واسعة في وسائل الإعلام داخل البلاد وخارجها.

وقد وجهت بعض الصحف الإيرانية انتقادات حادة إلى زيارة وزير الخارجية العراقي، واعتبرتها امتيازا وفرصة غير مناسبة منحت للحكومة البعثية العراقية، التي خاضت حربا لسنوات مع إيران. وتساءلت: لماذا نبدأ إقامة علاقات صداقة وتعاون مع حكومة بعثية، ولا سيما في الوقت الذي بات فيه سقوطها وشيكا؟

وأثارت زيارة وزير الخارجية البريطاني بدورها جدلا واسعا. فقد فسرها فريق من المعارضين للزيارة بأنها تأتي في خدمة المصالح الأمريكية، وتهدف إلى استمالة موافقة إيران على الهجوم على العراق. في حين رأى آخرون، مؤيدون للزيارة، أنها يمكن أن تتيح فرصة لتسوية قضايا إيران ومشكلاتها مع أوروبا.

وخلال لقاء جمعني بقائد الثورة، قبل زيارة وزير الخارجية البريطاني، في 3 أكتوبر 2002، قال إنه طلب من وزارة الخارجية توضيحا بشأن زيارة وزير الخارجية البريطاني إلى إيران، لأن الوزارة لم تقدم سببا مقنعا لهذه الزيارة.

وبعد بضعة أيام، أبلغ الدكتور روحاني بأن وزيري خارجية العراق وبريطانيا بحثا، خلال لقاءاتهما، موضوعات مختلفة، تراوحت بين التعاون الثنائي واحتمال شن هجوم على العراق. وكان كلا البلدين يرغب في توسيع العلاقات السياسية والاقتصادية الثنائية، كما طلبا من إيران دعم مواقفهما بشأن تطورات المنطقة. وكان وزير الخارجية العراقي يشعر بالقلق من حتمية الهجوم الأمريكي على العراق، في حين قال وزير الخارجية البريطاني إن سياسة التعامل مع العراق لا تزال، في الوقت الراهن، في حدود استعراض الاستعداد للحرب، لكن إذا قصر العراق في نزع أسلحته، فسيصل الأمر إلى الحرب.

وفي هذا السياق، نقل الدكتور ولايتي، مستشار قائد الثورة، أن خرازي قال، على ما يبدو، لوزير الخارجية البريطاني إن إيران قد تتعاون مع الولايات المتحدة ضد صدام، وإن البريطانيين، بعد نقل هذه الرسالة إلى الأمريكيين، أبلغوا، عبر سفارتهم في طهران، أنهم يرحبون بهذا التعاون. وبالنظر إلى السياسة التي أبلغها قائد الثورة والقاضية بعدم التعاون مع الولايات المتحدة، كنت أشك في صحة هذا الخبر.

وبعد عدة أشهر، في 6 يناير 2003، أعلن آصفي، المتحدث باسم وزارة الخارجية، أن وزير الخارجية العراقي كان من المقرر أن يزور إيران مرة أخرى، لكن قائد الثورة عارض ذلك، فتراجع وزير الخارجية ورئيس الجمهورية عن موقفهما أيضا. وقلت إننا إذا كنا نرى أن مجيئه يخدم المصلحة، فلا ينبغي أن نخشى الضجيج المثار حول الزيارة. فأجاب بأن المقترح كان أن يأتي وزير الخارجية العراقي بامتياز يتعلق بدفع تعويضات الحرب المفروضة، لكنه لم يقبل به حتى ذلك الحين.

وخلال لقائي بقائد الثورة، بحثت معه الأوضاع في العراق، وطرحت أيضا ما قاله المتحدث باسم وزارة الخارجية. فنفى صحة خبر معارضته للزيارة، وقال إنه، على العكس، مستاء من عدم موافقة الحكومة على زيارة وزير الخارجية العراقي إلى إيران.

ويبدو أن وزير الخارجية اضطر إلى معارضة هذه الزيارة تحت ضغط اعتراض عدد من نواب التيار الإصلاحي في مجلس الشورى. ومع ذلك، يبدو أنه وجهت من جديد دعوة إلى ناجي صبري لزيارة إيران.

أمريكا تقرع طبول الحرب – مذكرات هاشمي رفسنجاني (15): واشنطن تحسم إسقاط صدام.. وهل تكون إيران الهدف التالي؟

المقال السابقإيران تنفي تقديم مقترح جديد بخصوص ملفها نووي مقابل تخفيف العقوبات
المقال التاليلاحتمالية التصعيد مع إيران.. تحرك عسكري أمريكي تجاه الشرق الأوسط