أمريكا تقرع طبول الحرب – مذكرات هاشمي رفسنجاني (16): الكونغرس يطلق يد بوش للحرب على العراق

شفقنا- في سلسلة تنشر يوميا على موقعنا، نقدم للقراء ترجمة متسلسلة ومقتبسة من كتاب «أمريكا تقرع طبول الحرب: 11 سبتمبر وتداعياته»، المستند إلى مذكرات آية الله هاشمي رفسنجاني، أحد أبرز الشخصيات السياسية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وقد تولى مكتب نشر معارف الثورة إعداد الكتاب وتحريره، بوصفه الجهة المعنية بنشر مؤلفات آية الله هاشمي رفسنجاني والإشراف عليها. وتتناول هذه السلسلة، من خلال شهاداته ومذكراته، حادثة 11 سبتمبر وتداعياتها، وما أحاط بها من تطورات ومواقف وقرارات، في محاولة لإلقاء الضوء على قراءة المسؤولين الإيرانيين لهذا الحدث المفصلي وتداعياته.

الفصل الثاني الجزء السادس

سياسة الحذر

وفي هذه الأيام، في 12 أكتوبر 2002، جاء ظريف، ممثل إيران لدى منظمة الأمم المتحدة، وقال إن الأمريكيين أجروا تحولا إيجابيا في سياستهم تجاه إيران، وربما كان ذلك بسبب حاجتهم إلى إيران في الحرب على العراق. فقلت إن علينا مواصلة سياسة التعامل مع الأمريكيين بحذر، من دون قطع الطريق أمام أي احتمال.

وبعد بضعة أشهر، في 31 ديسمبر 2002، أبلغني أنه التقى، بناء على طلب سكوكروفت، الجنرال الأمريكي المتقاعد. وكان سكوكروفت قد أجرى في السابق مباحثات مع ظريف، وكان يسعى أساسا إلى استمالة إيران للتعاون في المسألة العراقية، واقترح الاستفادة من الفرصة التي أتاحتها الظروف الراهنة لتحسين العلاقات بين إيران والولايات المتحدة وتسوية المشكلات القائمة بينهما.

ورأى ظريف أن تشدد الأمريكيين في لهجتهم تجاه إيران خلال الأشهر الأخيرة يرتبط بالمسائل الداخلية في الولايات المتحدة، وقال إن سياسة البيت الأبيض ومعظم تصريحات المسؤولين الأمريكيين وادعاءاتهم في هذه المرحلة ناجمة عن ضغوط المعارضة الداخلية، وتهدف إلى تضليل الرأي العام.

وقلت إن العراق، سواء هُزمت أمريكا في هجومها على العراق واضطرت إلى الخروج من المنطقة، أم نجحت في إسقاط صدام وأصبح العراق دولة حرة ديمقراطية، فإن ذلك يصب في مصلحة إيران. ولن تتضرر إيران إلا إذا وصلت إلى الحكم حكومة ديكتاتورية تابعة لأمريكا، وهو أمر يكاد يكون غير عملي في الظروف الراهنة، وحتى لو تحقق، فإنه سيستغرق وقتا طويلا. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن نسعى إلى اتقاء شر أمريكا، وأن نستفيد بأكبر قدر ممكن من الفرصة التي أتاحتها الظروف الراهنة.

وأكدت أنه، بالنظر إلى تصريحات كيغستون، القائد العسكري الأمريكي السابق في الخليج الفارسي، الذي اعترف بأن الحكومة الأمريكية كانت تنتظر انفجارا سياسيا في إيران عام 2002، غير أن هذا التوقع جاء مخالفا للواقع، ينبغي أن يفهم الأمريكيون أن فرص نجاحهم في إيران معدومة خارج إطار التعامل مع مركزية النظام.

قرار مجلس الأمن ضد العراق

بعد أن عجز مجلس الأمن، خلال جلسات عدة، عن التوصل إلى اتفاق بشأن قرار ضد العراق، قدمت الولايات المتحدة إلى المجلس عدة مشاريع معدلة، إلى أن أقر المجلس، رغم معارضة بعض الدول، في 8 نوفمبر 2002 أحدها، وسجله باسم القرار 1441.

وبموجب هذا القرار، مُنحت العراق مهلة أسبوع لإعلان قبولها، ثم مُنح مفتشو منظمة الأمم المتحدة خمسة وأربعين يوما لبدء عملهم، على أن تكون أمامهم مهلة شهرين لإعلان موقفهم النهائي. وبذلك، أصبح هناك ما مجموعه خمسة أشهر لتتضح نتيجة تعاون العراق ووضعه من حيث امتلاكه أسلحة كيميائية. كما أدرج في القرار، بصورة ضمنية، اللجوء إلى القوة في حال عدم تعاون العراق.

واحتدم النقاش حول هذا القرار على المستوى الدولي، فيما أخذت التظاهرات المناهضة للحرب تتسع في مختلف أنحاء العالم. وطلب وزراء خارجية الدول العربية من العراق قبول القرار. وأعلن صدام، رغم معارضة البرلمان العراقي، أن العراق قبل القرار 1441 من دون قيد أو شرط. مع أن القرار ينص على أن للمفتشين الحق في تفتيش أي شخص وفي أي مكان وفي أي وقت يشاؤون، واستجوابه، بما في ذلك نقل العلماء والباحثين النوويين العراقيين إلى خارج البلاد لإجراء التحقيقات معهم.

وأبدت جميع دول العالم تقريبا ارتياحها لقبول العراق القرار، باستثناء الولايات المتحدة. ويقال إن أمريكا، التي استاءت من عدم موافقة مجلس الأمن على شن هجوم سريع على العراق، أخذت تبحث عن ذريعة لبدء الهجوم. ولذلك، ادعت أن إطلاق العراق نيران الدفاع الجوي على الطائرات الأمريكية والبريطانية يشكل انتهاكا للقرار، بل قالت إن مجرد ادعاء صدام عدم امتلاك أسلحة دمار شامل يعد دليلا على عدم تعاونه مع المفتشين، وإن ذلك يصلح ذريعة لشن هجوم عسكري.

مع أن الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة ومعظم الدول الأوروبية لم يقبلوا هذه الذرائع، وعارضوا أي هجوم عسكري قبل الحصول على تفويض من مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة.

وبعد بضعة أيام، في 19 نوفمبر 2002، أجرينا في هذا السياق، وفيما يتعلق باحتمال اندلاع الحرب، مباحثات مطولة مع الدكتور روحاني. وأبلغني أن المجلس الأعلى للأمن القومي اقترح على آية الله الخامنئي أنه إذا بدأت أمريكا الهجوم، فمن الأفضل أن يكون هناك تعامل غير مباشر معها بشأن مستقبل العراق والمنطقة. غير أن قائد الثورة عارض ذلك، وأبدى عدم رضاه عن إدراج هذا المقترح في تقرير المجلس. وأجاب روحاني بأن هذه وجهة نظر جميع الخبراء. كما وجه انتقادا إلى قائد الثورة بسبب مواقفه المتشددة. وكان عداء قائد الثورة لممارسات أمريكا، وعدم رضاه عن مواقف بعض المسؤولين، واضحا تماما أيضا في تصريحاته خلال خطبة صلاة الجمعة في طهران.

قرأت نص قرار مجلس الأمن 1441 بشأن العراق. ومن الغريب جدا أن يكون العراق قد قبل هذا القرار. فمجرد قبوله يعني هزيمة صدام واستسلامه حتى قبل بدء الهجوم. وقد صيغ القرار بصورة مفصلة ومدروسة، بهدف نزع سلاح العراق بالكامل، وتمهيدا لشن هجوم عسكري في حال عدم امتثال العراق.

ويبلغ القرار نحو ألفي كلمة، وقد منح المفتشين صلاحيات كاملة تكاد تعادل صلاحيات حكومة بأكملها؛ إذ يحق لهم دخول العراق والخروج منه كيفما شاؤوا وبأي عدد يريدونه، وإدخال ما يريدون وإخراجه، وتفتيش أي مكان والسيطرة عليه، واستجواب أي شخص يريدونه، في أي مكان وفي أي وقت. كما أُلزمت الحكومة العراقية بتنفيذ جميع القرارات السابقة، وأدينت بسبب الانتهاكات السابقة، وأصبحت مكلفة بالإعلان، خلال شهر واحد، عن جميع ما لديها من إمكانات مرتبطة بأسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك العلوم والتقنيات والكوادر البشرية والمواد الأولية والآلات والمنشآت والمخازن والأسلحة الموجودة وغيرها.

ولا يمكن تصور إذلال وهوان أشد من ذلك الذي اشتراه صدام وحلفاؤه لبلد مسلم مهم، ومن المستبعد أن يتمكنوا من تحمل تنفيذ القرار بالكامل. ومن الغريب أن دولا كانت تتحدث عن صداقتها للعراق، مثل روسيا وفرنسا وسوريا، وكانت ممثلة في مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة، قد صوتت لصالحه.

وفي هذه الأيام نفسها، جاء مسعود بارزاني، أحد قادة كردستان العراق، برفقة عدد من معاونيه، وقدم عرضا عن مباحثاته مع الأمريكيين، وكذلك عن الاحتمالات المتعلقة بمستقبل العراق في حال شنت أمريكا هجوما عليه. وكان يعتقد أن الحرب ستندلع، وقال إنهم سيتعاونون مع أمريكا فقط إذا لم يكن ذلك على حساب العراق وشعبه. وكانوا يعتقدون أن الجيش العراقي لن يصمد طويلا. وقال إنهم لا يقبلون تقسيم العراق، وإن الكرد لا يريدون الاستقلال.

ويتمثل الخيار المفضل لديهم في الفدرالية، ويأتي في المرتبة الثانية قيام حكومة موحدة، حرة ومستقلة، تستمد شرعيتها من أصوات الشعب، وهو خيار لا يبدو أن أمريكا تريده.

وبالنظر إلى تصريحات المسؤولين الأمريكيين عن احتمال تقسيم العراق، أوليت حديثه أهمية خاصة، وأكدت أن حكومة شعبية مستقلة وحدها قادرة على تأمين مصالح الشعب العراقي وتلبية تطلعاتكم. وحذرت من أن أي نتيجة أخرى ستفضي إلى قيام حكومة ديكتاتورية تابعة لأمريكا، لا تخدم سوى مصالحها.

البحث عن مخرج لصدام

وفي الوقت الذي يزداد فيه احتمال الهجوم الأمريكي تأكدا يوما بعد يوم، وتزداد أوضاع العراق تأزما، طلبت الحكومات العربية من صدام التنحي، حفاظا على الشعب العراقي وإنقاذا للبلاد.

وأفادت وسائل الإعلام الروسية أيضا بأن روسيا مستعدة لمنح صدام وأسرته اللجوء السياسي، وفي هذا السياق توجه بريماكوف، مبعوث بوتين الخاص، إلى العراق، واقترح على صدام إما التنحي أو القبول بنزع سلاح العراق بالكامل.

وقال لاريجاني، رئيس منظمة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، بدوره إن هناك شواهد على أن اتفاقا يجري التوصل إليه خلف الكواليس يقضي بتنحي صدام وتوفير ضمانات له، بهدف حل المسألة العراقية من دون حرب. كما تشير تصريحات روسيا والغربيين وبوش إلى الأمر نفسه.

غير أن صدام، ردا على الشائعات المتعلقة باحتمال تنحيه ولجوئه إلى روسيا أو إلى إحدى الدول العربية، تحدث عن مقاومة المحتلين، وأكد أن العراق هو وطننا، وأننا سنبقى فيه وندافع عن وطننا وشعبنا، وسنجعل أمريكا تندم على مهاجمة العراق.

وفي المقابل، كان كثير من أصحاب النفوذ، ومن بينهم جلال طالباني، أحد قادة كردستان العراق، يرون أن الحرب حتمية إذا لم يتنح صدام. وخلال لقاء مباشر، نقل إلي رسالة من أمريكا إلى إيران، مفادها أن إيران لا ينبغي أن تقلق من الهجوم الأمريكي على العراق، لأن أمريكا لا تضمر لإيران سوءا.

واللافت أن أمريكا، في مثل هذه الظروف، وبالتزامن مع تلاش الآخرين لإجبار صدام على الاستسلام، وربما بسبب كثرة الاعتراضات الداخلية والعالمية، وكذلك ارتفاع أسعار النفط وانخفاض قيمة الأسهم في البورصات ومشكلات اقتصادية أخرى، أخذت تخفف من قرع طبول الحرب، وبدأ الحديث عن إمكانية حل المسألة من دون حرب. بل أعلن البيت الأبيض رسميا استعداده لضمان أمن صدام وأسرته وكبار المسؤولين العراقيين، في البلد الذي يختاره، إذا تنحى، كما قال دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي، صراحة إن الولايات المتحدة لن تهاجم العراق إذا غادر صدام حسين وأسرته العراق طوعا ولجأوا إلى بلد آخر.

لقاءات جديدة

مع ازدياد حدة الأزمة في المنطقة وارتفاع احتمال شن أمريكا هجوما على العراق، بلغت حركة الشخصيات السياسية من مختلف أنحاء العالم إلى إيران ذروتها. وكان معظم هؤلاء، إلى جانب لقائهم المسؤولين والشخصيات التي تتولى مناصب مماثلة لهم، يطلبون أيضا لقاءي. ولم يكن من السهل الاستجابة لجميع هذه الطلبات، لكنني كنت أعلم أن ذلك ضروري.

ومن بين الشخصيات السياسية التي جاءت للقاء، وزير الخارجية السويسري في 27 أكتوبر 2002، ورئيس مجلس النواب الإيطالي يوم السبت 2 نوفمبر، والسفير الأفغاني يوم الأحد 3 نوفمبر، والسفير البولندي في 15 ديسمبر، ونائب رئيس مجلس النواب اليمني في 5 يناير 2003، ووزير الخارجية الكويتي في 12 يناير، ووفد مجلس الأمة الكويتي في 19 يناير، ومحمد البرادعي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في 22 فبراير 2003، وغيرهم.

وكان توسيع التعاون الثنائي، ومشكلات أفغانستان، وقضايا العراق، وسبل مواجهة التهديدات والمخاطر الناجمة عن الوجود الأمريكي في المنطقة، من أهم الموضوعات التي دارت حولها المباحثات في هذه اللقاءات.

وفي لقائي بوزير الخارجية السويسري ورئيس مجلس النواب الإيطالي، استحوذت كيفية مكافحة الإرهاب وضرورة احترام حقوق الإنسان في العالم على الجزء الأكبر من النقاش. وكان تأكيدي في هذين اللقاءين على ضرورة تقديم تعريف واضح ومقبول للإرهاب، ومعالجة عوامله من جذورها.

وفي سائر اللقاءات، ولا سيما في لقائي بوزير الخارجية الكويتي ووفد مجلس الأمة في ذلك البلد، دار معظم النقاش حول أمريكا والعراق ومصير صدام. وقالوا إن أمريكا أكدت لهم أنها لا تضمر أي سوء تجاه إيران، وأنها لا تسعى إلا إلى نزع سلاح العراق والإطاحة بصدام. وكانوا يرون أن الحرب وهزيمة صدام أمران حتميان إذا لم يتنح طوعا أو تحت ضغط دولي.

وردا على حديثهم وطلبهم أن أبدي رأيي في أمريكا ومستقبل العراق، قلت إن سوابق أمريكا في تعاملها مع إيران لا تترك لنا أي مجال للثقة بها، وإن لدينا شكوكا جدية في حسن نيتها. وأوضحت أيضا أننا، في حال نشوب حرب أمريكية محتملة مع العراق، نقف على الحياد، لكننا نصر على ألا يلحق بالشعب العراقي أي أذى.

وفيما يتعلق بمستقبل العراق، أكدت أننا نريد عراقا حرا ومستقلا، ونحن على يقين بأن ذلك ممكن إذا لم يحل الأمريكيون دونه.

وبطبيعة الحال، استحوذ العراق على معظم وقت لقائي بالسيد محمد باقر الحكيم، نظرا إلى مسؤوليته في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق. وقدم تقريرا عن اجتماعات المعارضين العراقيين، وقال إن أمريكا تعرقل تفعيل لجنة قيادة المعارضين العراقيين، ويبدو أنها لا تريد إشراك المعارضين في مستقبل العراق.

وكان يعتقد أن الهجوم الأمريكي على العراق بات حتميا، وقال إنه إذا بدأت الحرب، فسيسقط صدام سريعا، وربما تدخل إدارة العراق في حالة من عدم وضوح المصير. وطلب العمل على إيجاد مخرج لمثل هذا الوضع.

وكان حتمية الهجوم الأمريكي على العراق أيضا من الآراء التي أكدها محمد البرادعي خلال لقائه بي. وقال إن الحرب ستكون حتمية إذا لم يقبل صدام نزع السلاح بالكامل، أو إذا قبل بذلك لكنه لم يتعاون تعاونا كاملا مع مفتشي الأمم المتحدة، لأن أمريكا، بعد كل هذه الدعاية ضد العراق، لا تستطيع أن تعود من ذلك البلد خالية الوفاض.

مؤتمر معارضي الحكومة العراقية

قرأت التقارير المتعلقة بمؤتمر المعارضين العراقيين في لندن، الذي عقد في 17 ديسمبر 2002 من أجل بحث أوضاع العراق بعد إقصاء صدام. وحضر المؤتمر معظم الجماعات والشخصيات المعارضة لصدام وللحكومة العراقية، إلى جانب ممثل أمريكا، الذي كان شديد النشاط والتأثير، وممثلين عن بريطانيا والصين والاتحاد الأوروبي.

وانتخب المعارضون، رغم معارضة بعض المشاركين، لجنة من 63 عضوا لإدارة مسألة انتقال السلطة، ثم، بعد نقاش طويل حول حصة التيارات في لجنة التنسيق، استقر العدد في نهاية المطاف على 75 عضوا، كان نصيب الشيعة منهم 43 عضوا.

وقبل ذلك بأيام، أبلغني رضا سيف اللهي، المسؤول عن شؤون المعارضين العراقيين، أنه عقد اجتماعا حول شؤون العراق بحضور قائد الثورة. وقال إن قائد الثورة أبدى عدم رضاه عن كثرة حضور المعارضين العراقيين في إيران، وطلب مزيدا من المراقبة لدور بعض المعارضين ونشاطهم، ولا سيما الذين يميلون إلى أمريكا والغربيين.

وفي الأيام التالية، تابعت موضوع تشكيل مؤتمر المعارضين العراقيين في جلسة عقدت في مركز البحوث الاستراتيجية في 18 ديسمبر 2002، وفي لقاء مع قاسم سليماني في 13 يناير 2003.

في مركز البحوث الاستراتيجية، ناقشنا المباحثات المتعلقة بمؤتمر معارضي العراق، واحتمال شن أمريكا هجوما على العراق وآثاره، واستعرضنا نتائج المؤتمر. وأفاد نواب رئيس المركز بأن المعارضين العراقيين حددوا تركيبة لجنة التنسيق بحيث يكون 55 في المئة منها من الشيعة، والباقي من الأكراد والسنة. كما عرض سليماني نتائج مباحثاته مع المعارضين العراقيين، وقال إنه تقرر أن يعقد اجتماعهم المقبل في كردستان العراق، وأن ينتخبوا هناك مجلسا للقيادة.

وفي هذه الأيام نفسها، قرأت تقرير السيد عبد العزيز الحكيم عن زيارته إلى تركيا ومباحثاته مع الممثل الأمريكي بشأن العراق. وأفاد التقرير بأن أمريكا لا توافق على المشاركة العملية لقوات المعارضة في العمليات العسكرية، كما أنها لا توافق على تشكيل حكومة مؤقتة في العراق. بل تقرر أن يتولى العسكريون الأمريكيون، بصورة مؤقتة، إدارة العراق بعد صدام، وأن يقتصر دور المعارضين على العمل بصفة مستشارين. وأثار تداول هذا الخبر بين المعارضين، وإعلان وزير الخارجية الأمريكي رسميا أن عسكريا أمريكيا سيتولى، بصورة مؤقتة، حكم العراق بعد سقوط صدام، استياء المعارضين العراقيين. وأعلنوا رفضهم لذلك، وقالوا إن هذا الكلام يتعارض مع قرارات مؤتمر المعارضين في لندن، وإن تنفيذه سيظهر أن أمريكا لا تولي المعارضين ولا قراراتهم بشأن مستقبل العراق أي أهمية.

ومع ذلك، ورغم عرقلة أمريكا، اجتمع المعارضون في أربيل بكردستان العراق لعقد اجتماعهم الثاني، وحددوا مجلس القيادة وأعضاء 14 لجنة متخصصة. وتقرر أن يكون أربعة من أعضاء مجلس القيادة السبعة من الشيعة، واثنان من الكرد، وواحد من السنة. كما عارضوا مشاركة الجيش التركي في الحرب، ورفضوا كذلك تشكيل حكومة عسكرية أمريكية، وردوا اقتراح أن يكون المعارضون مستشارين.

واللافت أن خرازي، وزير الخارجية، طرح، في مبادرة شخصية منه، اقتراحا بإجراء استفتاء في العراق تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة وبمشاركة المعارضين العراقيين. وسرعان ما عارضت الحكومة العراقية والمعارضون هذا الاقتراح، ولم تتح فرصة لمزيد من النقاش حوله.

اجتماع متعدد الأطراف بشأن العراق

كنت ضيفا لدى قائد الثورة، مع رؤساء السلطات الثلاث، في 19 يناير 2003، لمناقشة دعوة رئيس الوزراء التركي إلى عقد اجتماع في تركيا بمشاركة خمس دول، هي إيران والسعودية وسوريا ومصر وتركيا، لبحث مسألة العراق. واتضح أن قائد الثورة لم يكن يؤيد كثيرا مشاركة إيران في هذا الاجتماع، لكن بعد النقاش والمباحثات، رجحنا المشاركة وإعلان موقفنا. وتقرر، أولا، أن يتمثل موقف إيران في الحيلولة دون هيمنة أمريكا من خلال فرض حكومة موالية لها، وثانيا، أن تقترح إيران، من أجل الاطلاع مسبقا على الأهداف الحقيقية للاجتماع، أن يعقد اجتماع لوزراء الخارجية أولا، ثم اجتماع لرؤساء الدول.

وبعد بضعة أيام، في 21 يناير 2003، وخلال لقائي بقائد الثورة ومباحثاتنا حول العراق، طرح مجددا موضوع عقد اجتماع تركيا لبحث مسألة العراق. وقال قائد الثورة إن من الواضح أن أمريكا قد وقعت في مأزق، وأدركت أن أمامها مشكلات قبل الحرب المحتملة وأثناءها وبعدها، وربما كانت تركيا ومصر والسعودية والأردن وروسيا تسعى إلى حل مشكلة أمريكا من خلال الضغط على صدام من دون حرب.

وفي نهاية المطاف، وبالتزامن مع تظاهرات شعبية واسعة في تركيا والعديد من دول العالم احتجاجا على الحرب، عقد اجتماع وزراء خارجية ست دول في المنطقة لبحث مسألة العراق في إسطنبول التركية، في 24 يناير 2003. وأكد البيان الختامي للاجتماع ضرورة أن تكون قرارات منظمة الأمم المتحدة هي الحاكمة، وعارض انفراد أمريكا بالقرار، وطالب العراق بالالتزام بقرارات مجلس الأمن.

وأظهر مرور الوقت أن عقد هذا الاجتماع لم يكن له تأثير يذكر في الأحداث المتعلقة بالعراق، وأن البيان الذي صدر عنه في صورة توصيات تجاهلته كل من أمريكا والعراق.

أمريكا تقرع طبول الحرب – مذكرات هاشمي رفسنجاني (15): واشنطن تحسم إسقاط صدام.. وهل تكون إيران الهدف التالي؟

المقال السابقنفوذها تحت الاختبار.. أيباك تنفق بسخاء لانتخاب حلفائها وأملها تصنع أعداء جدداوا
المقال التاليالمرجعية والاستفتاءات…ما هو المعتبر في بيع السلف؟