قراءة معمقة لجريمة باريس: عن الأسباب والنتائج والدلالات؟

شفقنالا بد في البداية من التأكيد على إدانة جريمة باريس وقتل عدد من الصحافيين والمواطنين وعناصر الشرطة الفرنسية، لأنه لا يوجد أي تبرير أو منطق يسمح بالقبول بارتكاب مثل هذه الجريمة النكراء والخطيرة.

وبموازاة هذه الإدانة الواضحة والصريحة والقوية لهذه الجريمة البشعة، لا بد من دراسة أسباب وأبعاد ونتائج ما جرى، وخصوصاً التداعيات الخطيرة على الدين الإسلامي وعلى أوضاع المسلمين والعرب المهاجرين إلى أوروبا والغرب، وكذلك على القضية الفلسطينية والصراع مع الكيان الصهيوني وعلى الأوضاع في العالم العربي والإسلامي.

فبعد أحداث 11 أيلول 2001 حصلت تطورات خطيرة مهدَّت لشن أميركا وحلفائها حربين على المنطقة، الأولى ضد أفغانستان والثانية ضد العراق ولا زلنا إلى اليوم ندفع ثمن هذه الحروب.

أما بالعودة إلى أساب ما جرى في باريس، فهناك أسباب عديدة أدت إلى هذه الجريمة وأهمها قيام أجهزة المخابرات الغربية والعربية بتسهيل انتقال عدد كبير من المقاتلين العرب والمسلمين والأوروبيين من أصول عربية وإسلامية إلى عدد من الدول العربية للقتال فيها كسوريا والعراق وليبيا. وهم اليوم يعودون إلى أوروبا بعد أن حصلوا على خبرات قتالية وتدريب، ولذلك لاحظنا أن طريقة تنفيذ العملية ليست طريقة عادية، بل تعبِّر عن وجود مقاتلين محترفين.

وثانياً السياسات الغربية تجاه دول المنطقة وازدياد الأجواء العنصرية وظاهرة التخويف من الإسلام والمسلمين من بعض الدول، إضافة إلى التساهل في التعاطي مع الإساءات التي حصلت للنبي محمد(ص) أو للمقدسات الدينية.

ثالثاً يجب عدم استبعاد وجود اختراقات استخباراتية للمجموعات الإسلامية المتطرفة وخصوصاً من قبل الأجهزة الصهيونية لدفع هذه المجموعات لارتكاب عمليات إرهابية بحجة الدفاع عن المقدسات الإسلامية، وتكون النتيجة وبالاً على الإسلام والمسلمين والقضايا العربية والإسلامية.

لكن بغض النظر عن الأسباب التي قد تكون أدت إلى حصول هذه الجريمة وهي لا تبرر مطلقاً حصولها، فإن التداعيات والنتائج المباشرة والبعيدة المدى لهذه الجريمة ستكون خطيرة جداً وخصوصاً على صعيد الموقف من الإسلام والمسلمين ومن وجود المهاجرين المسلمين والعرب في أوروبا والغرب، وكذلك على القضية الفلسطينية والصراع مع الكيان الصهيوني.

ومن الملفت، أن هذه الجريمة قد حصلت في ظل وجود تبدل الموقف الأوروبي الرسمي والشعبي تجاه القضية الفلسطينية والدعم المتزايد لقيام دولة فلسطينية من البرلمان الأوروبي وبرلمانات الدول الأوروبية العربية، وقبول المحكمة الجنائية الدولية لطلب انضمام فلسطين إلى هذه المحكمة، مما قد يمهّد لمحاكمة الجنود والضباط والمسؤولين الصهاينة أمام المحكمة.

وقد استغل رئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو حصول جريمة باريس للتحذير من وجود إرهاب إسلاميوربطه بقوى المقاومة والسعي لإعادة تظهير دور الكيان الصهيوني في محاربة الإرهاب“.

أما على صعيد التداعيات على الإسلام والمسلمين ودور المهاجرين العرب والمسلمين إلى الغرب وأوروبا عامة، وفرنسا بشكل خاص، فقد بدأت هذه التداعيات من خلال ازدياد الحملة على هؤلاء وإطلاق النار على المساجد وعودة التحذير من خطر الإسلامي والمسلمين، دون أن يتم التمييز بين من هم متطرفون ومتشددون وبين المسلمين العاديين المعارضين لهذه العمليات الإجرامية أو للتنظيمات المتطرفة.

ورغم أن معظم أو كل الدول العربية والإسلامية وكذلك عدد كبير من القيادات العربية والإسلامية والأحزاب والهيئات الإسلامية وخصوصاً في فرنسا وأوروبا قد نددت بالجريمة واستنكرتها، فإن ذلك لن يمنع من بروز وتزايد حالة العداء للإسلام والمسلمين وخصوصاً للمهاجرين من أصول عربية وإسلامية في الغرب.

وهناك جهود مكثفة تبذل للتمييز ما بين التنظيمات المتطرفة وبين الإسلام والمسلمين، وكذلك لمواجهة تزايد أجواء العنصرية والتخويف من الإسلام والمسلمين.

لكن يبدو إننا سنكون أمام تطورات أمنية وسياسية وعسكرية متسارعة، إن في فرنسا أو دول أخرى وكذلك في المنطقة، وكل ذلك يستدعي إعلان ما يمكن تسميته بحالة طوارئفكرية وسياسية وإعلامية من قبل جميع الجهات والهيئات والشخصيات والمؤسسات المعنية بهذا الملف والعمل لوضع خطة عمل سريعة، وكذلك بعيدة المدى لمواجهة تداعيات ما جرى وما سيجري.

وقد شهد العالم العربي والإسلامي في الأشهر الماضية عقد عدة مؤتمرات وندوات ولقاءات لرفض العنف والتطرف، ولكن يبدو أن الأوضاع خرجت عن السيطرة. ولذلك لا بد من إعادة دراسة ما يجري بشكل معمق والتفكير بخطوات عملية لمواجهة ظاهرة انتشار التطرف.. ونحن بحاجة إلى تحالف دولي ــ عربي ــ إسلامي حقيقي لمواجهة ما يجري، وأن يتحمل الجميع مسؤولياتهم وعدم إلقاء التهمة أو المسؤولية على جهة دون أخرى، وكل ذلك يتطلب جهداً فكرياً وسياسياً وإعلامياً وأدبياً مكثفاً في المرحلة المقبلة.

والله ولي التوفيق

مؤسسة الفكر الإسلامي المعاصر للدراسات والبحوث

النهایة

المقال السابقلبنان تؤکد علي مسؤولیة داعش بتنفیذ هجوم طرابلس الانتحاري
المقال التاليرسامو كاريكاتير فرنسيون ينددون باستغلال بيغيدا لاسم شارلي إيبدو