هل تمكنت الوهابية من الروح اللبنانية؟

خاص-شفقنا- مع التفجير الانتحاري المزدوج الذي استهدف مقهى في منطقة جبل محسن في مدينة طرابلس اللبنانية ، واسفر عن مقتل 9 اشخص وجرح العشرات ، يكون لبنان قد دخل في مرحلة في غاية الخطورة ، ولن يحول دون ولوج هذا البلد الى متاهات هذه المرحلة الا وجود ارادة لبنانية قوية للتحرر من براثن الوهابية.

الباب الذي انفتح على جهنم المرحلة القادمة ، يتمثل بهوية منفذي الهجوم الانتحاري في جبل محسن ، كما جاء في بيان قيادة الجيش – مديرية التوجيه والذي جاء فيه :”ونتيجة الكشف الأولي للخبراء العسكريين المختصين على موقع الانفجار الذي حصل في منطقة جبل محسن، تبين أن العملية الإرهابية نفذها انتحاريان، هما طه سمير الخيال وبلال محمد المرعيان، وقدرت زنة الحزامين الناسفين اللذين كانا في حوزتهما بنحو 4 كلغ من مادة الـ”تي إن تي”. وتستمر التحقيقات لكشف ملابسات الحادث كافة”.

وقد اتضح فيما بعد  أن الانتحاريين طه سمير الخيال وبلال محمد مرعيان هما من اهالي طرابلس منطقة المنكوبين المحاذية لجبل محسن ، اي انهما فجرا نفسيهما في مقهى يعرفان رواده ، و رواد المقهي يعرفون طه وبلال ، فهم  ابناء مدينة واحدة وحي واحد ، الا ان الوهابية عزلتهما عن محيطهما ، فباتا غريبان عنه ، بل اصبحا من الد اعداء هذا المحيط ومن فيه ، الى الحد الذي رضيا ان  يفجرا نفسهما من اجل التخلص منه.

خطورة هذه العملية الانتحارية المزدوجة تكمن في ان منفذيها لبنانيين ، وليسا سعوديين او خليجيين او سوريين ، وهذا الامر يعتبر علامة فارقة في طبيعة الصراع الطائفي الذي اخذ يطفو على المشهد اللبناني ، الذي اخذ يقترب من المشاهد الدموية كما في العراق وسوريا وافغانستان وباكستان والصومال وليبيا، فالخطورة تكمن في ان يتحول ابناء البلد انفسهم الى قنابل تتفجر في ابناء جلدتهم ، وهي ظاهرة كان من الصعب جدا تصورها في لبنان ، نظرا لتعارض هذه الظاهرة مع الروح اللبنانية ، ولكن للاسف ما حصل في جبل محسن ، لم يكن وليد الساعة ، او كما تحاول السلفية تبريره بموقف حزب الله من الحرب الجارية في سوريا ، او من قضية “نصرة اهل السنة في لبنان وسوريا” ، فهذه التبريرات لاتصمد امام النقد لتفاهتها ، فنزعة الدمار والموت والفوضى والفتن والتكفير ، هي طبيعة ذاتية في السلفية الوهابية ، التي اخذت تنخر في الروح اللبنانية كما نخرت في الروح المصرية ، حتى اوصلتها الى ما وصلت اليه اليوم ، فعملية النخر الوهابي في الروح اللبنانية مضى عليها اكثر من ستين عاما ، ولا علاقة ما يجري في سوريا والعراق ولا ما جرى ويجري في افغانستان ، بهذا الامر.

ومن اجل اثبات حقيقة ان كل ما يشهده لبنان اليوم من تفجيرات وقتل وذبح وفوضى ، تعود جذورها الى عشرات السنين الى الوراء عندما غزت الوهابية لبنان بدعم سعودي واضح وفي غفلة عن نخبه واهله ، تحت يافطات مختلفة ، وهذه الحقيقة سننقلها عن لسان احد الد اعداء الشيعة و ايران وحزب الله وسوريا ، وهو سعود المولى ، وذلك في دراسة نشرتها له “مركز الجزيرة للدراسات” تحت عنوان ” السلفيون في لبنان : التارجح بين الدعوة والسلاح” ، نحاول ان نمر سريعا على اهم ماجاء في هذه الدراسة ، ونحيل الراغبين في الوقوف على تفاصيلها بمراجعة هذه الدراسة.

يقول سعود المولى ان الحركة السلفية المنظمة في لبنان تاسست عام 1946 على يد الشيخ سالم الشهال (توفي عام  2000)، الذي بدأ سلفيته على نحو عصامي وليس من خلال جامعة أو مؤسسة، وإنما تعرّف على الدعوة السلفية من كتب قرأها للشيخ ناصر الدين الألباني وابن عثيمين وابن باز”، “إلى جانب رحلاته المتعددة إلى المملكة العربية السعودية”. وأرسل أبناءه الثلاثة: داعي الإسلام، وراضي، وأبا بكر، لتعلم العلم الشرعي في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فتخرجوا فيها متأثرين بقوة بالمنهج السلفي في الجامعات السعودية في تلك الفترة. ومع تقدم الشهال الأب في السن وانصرافه إلى العمل الدعوي، آلت زعامة الحركة السلفية إلى نجله داعي الإسلام، الذي مثّل المرحلة الثانية من العمل السلفي، فجمع بين العمل الدعوي والسياسي، وأسس في سبعينيات القرن الماضي “نواة الجيش الإسلامي”.

وقد انصرف، وبدعم سعودي واضح وكبير، إلى تأسيس العمل الدعوي السلفي عبر المدارس الدينية، والتسجيلات الإسلامية، وكفالة الأيتام، وبناء المساجد، وتأسيس إذاعة القرآن الكريم، وغيرها من النشاطات. وانتشرت خدمات الجمعية من أقصى شمال لبنان إلى أقصى جنوبه، إلى أن أصدرت السلطات اللبنانية قرار حلها عام 1996؛ بسبب ما ادّعته من “إثارة النعرات الطائفية في بعض الكتب التي تعتمدها الجمعية في معاهدها الشرعية”، وكانت حجتها في ذلك أن أحد الكتب المقررة للتدريس في المعهد ضم فقرة عن فرقة النُّصيرية باعتبارها فرق ضالة خارجة عن الدين بسبب معتقداتها المسيئة للإسلام.

أعقب حلّ الجمعية ظهور جمعيات ووقفيات عديدة، أسسها تلامذة الشيخ الشهال، وراح الكل ينافس الكل على كسب الشارع الإسلامي. وما عزّز هذا التحوّل هو كثرة الجمعيات والهيئات والشخصيات الخليجية الداعمة ماليًا وعقائديًا لهذه الوقفيات والجمعيات السلفية.

ظهر في طرابلس جيل سلفي جديد تزعمه الشاب صفوان الزعبي (35 عامًا) الذي برز دوره قويًا في ظل الخلاف الشخصي بين الشيخ داعي الإسلام الشهال وزوج شقيقته وابن عمه حسن الشهال، وبالأخص عندما وقّع الأخير منفردًا على اتفاقية حوار مع حزب الله استثارت ردود فعل سلفية غاضبة ومنددة. وحسن الشهال هو رئيس جمعية دعوة العدل والإحسان، وتربطه علاقات بجمعيات وهيئات كويتية يتردد أنها تدعمه ماليًا. وهذا التباين دعا العديد من الباحثين إلى تقسيم السلفية الطرابلسية إلى مدرستين: المدرسة السعودية، وهي التي استقى منها آل الشهال دعوتهم؛ والمدرسة الكويتية، وهي التي يمثلها آل الزعبي، بقيادة الشيخ صفوان الزعبي، أحد أبرز شخصيات تجمع المعاهد والمؤسسات السلفية، ورئيس مجلس أمناء جمعية وقف التراث الإسلامي، التي تُعد امتدادًا لجمعية إحياء التراث السلفية الكويتية، التي تمولّه وترعاه.

أما ظهور الحركة السلفية في منطقة البقاع الغربي فبدأ مع عودة عدد من الخريجين البقاعيين من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1986 وأبرزهم الشيخ عدنان محمد أمامة والشيخ حسن عبد الرحمن.

بعد غزو العراق برز اسم  محمد ياسين الملقب بـأبي حذيفة، وارتبط بالقتال داخل العراق، مع علاقة وثيقة مع تنظيم “القاعدة”. وانطلق سلفيو الجهاد إلى إعداد العُدة للقتال في العراق وهنا برز اسم إسماعيل الخطيب، الذي تولى تدريب وتأمين بعض الشبان وإعدادهم لخوض معارك ضد الاحتلال الأميركي في العراق، بالتنسيق مع أبي مصعب الزرقاوي. وكان لشبان مجدل عنجر دور كبير في العراق حتى إن أحد أبنائهم (مصطفى رمضان المعروف باسم أبي محمد اللبناني) تولى مهام مساعد أمير تنظيم القاعدة في العراق (وقُتِل بحسب بعض المصادر في نفس الغارة التي قُتل فيها الزرقاوي، في حين تذكر مصادر أخرى أنه قتل في “غزوة أبي غريب”.

ظهرت السلفية في صيدا في أواخر الثمانينيات من خلال عدد قليل من الأفراد. ولكن ما لبثت أن انتشرت مع بداية التسعينيات عبر أعمال خيرية ودعوية، كان يقوم بها بعض من ينتمون إلى السلفية

التيار الجديد الذي يمثله الشيخ أحمد الأسير إمام مسجد بلال بن رباح وصديقه الفنان المشهور فضل شاكر، وقد راجت أنباء عن حصول هذا التيار على مساعدات مالية من شخصيات قطرية غير رسمية.

منتصف ليل آخر يوم من العام 1999- مطلع 2000 (ليلة رأس السنة)، جرت أحداث الضنية حين قامت مجموعة من الشباب من مناطق القبة وأبي سمرا في طرابلس بالتدرب على حمل السلاح في جرود الضنية، وكان يقودها بسام كنج الملقب بـ «أبو عائشة» وهو من اللبنانيين الذين شاركوا في الجهاد الأفغاني، إلى جانب زميل له هو بسام إسماعيل حمود (أبو بكر)، وجرت اشتباكات بين هذه المجموعة والجيش اللبناني أدت إلى مقتل كنج واعتقال حمود، ويذكر أن الاثنين كانا قد التحقا بـالجهاد الأفغاني، الأول في الولايات المتحدة حيث كان يُقيم، والثاني في السعودية حيث كان يعمل، وعادا إلى لبنان ليؤسسا الجماعة التي هاجرت إلى الضنية وباشرت منها نشاطها المسلح. وتؤكد مصادر إسلامية أن هذه المجموعة كانت أول إطار منظم لتنظيم القاعدة في لبنان.

وقد برز اسم عصبة الأنصار وأبي محجن بشكل كبير بعد اعتقال المجموعة التي نفذت عملية اغتيال رئيس جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية (الأحباش) الشيخ نزار الحلبي في 31 أغسطس/آب 1995؛ حيث اعترف أعضاء المجموعة بأنهم تلقوا التدريب في المخيم وبأنهم تسلموا السلاح من أبي محجن.

بدأ تنظيم «جند الشام» يتصدر المشهد السياسي اللبناني بعد حوادث أمنية مختلفة، لاسيما الاشتباكات التي وقعت بين التنظيم والجيش اللبناني في مخيم عين الحلوة يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول 2005. وكان للتنظيم نشاطات عسكرية في الداخل السوري وعلى الحدود اللبنانية السورية.

و«جند الشام» يعلن أنه يستمد أفكاره من زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن. وتعود تسميته إلى المجموعة الأولى التي تزعمها أبو مصعب الزرقاوي في أفغانستان العام 1999، حيث أطلق الاسم على مخيم التدريب الذي ضمّ متطوعين من بلاد الشام، أي لبنان وسورية والأردن وفلسطين. وتعود المسؤولية العسكرية لهذا التنظيم في لبنان إلى غاندي السحمراني (لبناني الجنسية)، وهو ممن شاركوا في أحداث الضنية في شمال لبنان مطلع العام 2000، وعُثر عليه مقتولاً في يناير/كانون الثاني 2010 في سوق الخضار داخل المخيم.

ويبدو أن التنظيم نشأ في العام 2004 في مخيم عين الحلوة، على يد الفلسطينيين: أبو يوسف شرقية، وأسامة الشهابي، وعماد ياسين، وغاندي السحمراني.

ظهر تنظيم فتح الإسلام للعلن في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2006 إثر اشتباك في مخيم البداوي قرب طرابلس، مع عناصر من اللجنة الأمنية في المخيم المذكور، وقد انتقل عناصر التنظيم بعد هذا الاشتباك إلى مخيم نهر البارد، وهناك نما التنظيم بشكل غير طبيعي، وتورّط بمشروع خطير، أدى إلى اصطدامه مع الأجهزة الأمنية للدولة اللبنانية، اعتبارًا من  20 مايو/أيار 2007.

هذه كانت اهم ما جاء في الدراسة ، وقد بات واضحا انه لولا المال السعودي بالدرجة الاولى ومن ثم المال القطري والكويتي ، لما كان بامكان الوهابية ان تتغلغل داخل لبنان ، فكل شيوخ الوهابية اللبنانيين عاشوا في السعودية وتشبعوا من وهابيتها وعادوا الى لبنان محملين باموال طائلة لزرع الوهابية في لبنان تحت عناوين مشاريع خيرية ومدارس ومساجد ودور طباعة واذاعات وتلفزيونات ، كما بات واضحا ان الطبيعة التكفيرية والارهابية لدى المتشبعين بالوهابية انكشفت من خلال عمليات القتل والهجمات التي شنتها هذه المجاميع على الجيش اللبناني ، في حين لم تكن هناك في سوريا ولا في المنطقة اية حروب او فتن طائفية كما هي الان.

للاسف علينا ان نعترف ان الوهابية تمكنت من الانتصار على الروح اللبنانية لدى بعض اللبنانيين الذي تم غسل ادمغتهم بالاموال السعودية والفكر الوهابي المتخلف الحاقد على الحياة والانسان ، لذلك فمن الخطا الفادح ، بل اننا نرتكب جريمة كبرى بحق التاريخ وبحق الشعب اللبناني والشعب السوري والفلسطيني ، اذا ما اعتبرنا ما يقوم به البعض ممن “توهبنوا” بالمال السعودي في لبنان ، على انه انتصار ودفاع للسنة في لبنان وسوريا ، فهذا كذب وتدليس ، فالوهابية لاترحم حتى باتباعها ، فاذا ما سنحت الفرصة لها فانها تبطش بمن يحمل افكارها ، ويمكن تلمس ذلك في المجازر التي ترتكب بحق السنة في العراق و سوريا وليبيا وتونس ومصر والجزائر ، ان رفع راية الدفاع عن السنة ، من قبل المجاميع الوهابية الان في لبنان ، هي كذبة كبرى ، هدفها حرق لبنان خدمة للكيان الصهيوني الذي اذله ابطال حزب الله ، الذين اصبحوا اليوم هدفا للمجاميع الوهابية التكفيرية في لبنان ، الذين دخلوا في تحالف معلن مع الصهيونية ، ولكن مهما كانت قوة المال السعودي على ضعاف النفوس في لبنان كبيرة ، الا ان الحق سيظل هو الاقوى ، وان الانسان اللبناني يعلم علم اليقين مدى الفرق بين بندقية هذه المجاميع التكفيرية الوهابية التي تصوب الى صدر الجيش اللبناني ، وبندقية حزب الله وفصائل المقاومة المصوبة دائما نحو صدر العدو الصهيوني المتربص بلبنان وشعبه.

بقلم:جمال كمال

انتهىhttp://ar.shafaqna.com/

 

المقال السابقالتنسیق الامریکي وراء القبض على ألماني يشتبه في انتمائه لداعش
المقال التاليلبنان تؤکد علي مسؤولیة داعش بتنفیذ هجوم طرابلس الانتحاري