حرب الاستنزاف تعيد رسم المواجهة.. المسيّرات الأوكرانية في مواجهة الضغط الروسي

شفقنا-وصلت الحرب في أوكرانيا إلى مرحلة من الاستنزاف الاستراتيجي، باتت فيها ساحة القتال التقليدية تتداخل مع أنماط جديدة من الصراع تستهدف البنى التحتية الحيوية. فقد غيرت أوكرانيا نهجها عبر التركيز على الإنتاج الواسع للطائرات المسيرة ذاتية التشغيل، ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، والاستفادة من الهجمات بعيدة المدى منخفضة الكلفة، لتوجيه ضرباتها نحو الشبكة اللوجستية والاقتصادية الروسية.

وتقوم هذه الاستراتيجية على مزيج من عمليات الطائرات المسيرة والحرب السيبرانية والإلكترونية، بهدف تقليص القدرات العملياتية الروسية وممارسة ضغط متزايد على البنية التحتية للطاقة. 

وفي المقابل، كثفت روسيا هجماتها على المراكز السياسية والاقتصادية والبنى التحتية الحيوية في أوكرانيا، ساعية إلى ممارسة ضغط مباشر لتغيير الحسابات السياسية في كييف وفرض شروط أكثر ملاءمة لها على طاولة المفاوضات.

 ويجعل هذا الصراع بين الضربات العميقة وغير المتناظرة واستراتيجية الضغط المضاد مستقبل المواجهة مفتوحاً على سيناريوهات يصعب التنبؤ بها.

تحليل العمليات الموجّهة ضد البنى التحتية للطاقة

تركز أوكرانيا استراتيجيتها على استهداف سلسلة إمدادات الطاقة الروسية، بما يشمل المصافي النفطية، ومحطات التصدير، ومنشآت التخزين. ولا يقتصر هدف هذه العمليات على إضعاف خطوط القتال الأمامية، بل يتعداه إلى تعطيل مصدر الإيرادات الرئيس الذي يمول العمليات العسكرية الروسية. 

ومن خلال استهداف العقد الاقتصادية، تسعى كييف إلى نقل الكلفة المادية والاقتصادية للحرب إلى داخل الأراضي الروسية. كما أن تراجع كفاءة المصافي واضطراب توزيع الوقود محليا قد يؤديان إلى خلق احتكاكات بين صناع القرار السياسي والهياكل الاقتصادية داخل روسيا.

تحليل البيانات واتجاهات الهجمات

وفقا لبيانات مشروع ACLED لتحليل النزاعات المسلحة، شهدت الهجمات الجوية وهجمات الطائرات المسيرة الأوكرانية في عمق الأراضي الروسية تصاعدا ملحوظا. ففي عام 2023 سجل نحو 580 هجوما، قبل أن يرتفع العدد في عام 2024 إلى 7244 هجوما. ومن بين هذه العمليات، استهدفت 901 هجمة بصورة مباشرة البنى التحتية الاستراتيجية للطاقة، بما في ذلك منشآت تخزين الوقود، ومستودعات النفط، والمصافي، وخطوط الأنابيب.

واستنادا إلى تقديرات النصف الأول من عام 2025، الذي شهد تسجيل 6176 هجوما، كان من المتوقع أن يتضاعف إجمالي عدد الهجمات خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق تقريبا. وتكتسب هذه الاستراتيجية أهمية اقتصادية بالغة، إذ كان قطاع النفط والغاز قبل اندلاع الحرب يوفر نحو 45% من إيرادات الموازنة الفيدرالية الروسية، ما جعله الركيزة الأساسية للاقتصاد الروسي.

توسيع نطاق العمليات إلى المجال البحري

لم تعد العمليات تقتصر على البنى التحتية الثابتة، بل امتدت إلى قطاع لوجستيات الطاقة في البحر. ويعكس استخدام الطائرات المسيّرة الجوية والبحرية، مثل Sea Baby، ضد ناقلات النفط التابعة لأسطول الظل الروسي، مساعي أوكرانيا إلى قطع طرق التصدير البحرية. وتشير التقارير إلى أن الهجمات الأخيرة أثرت حتى الآن في 90 سفينة روسية، ما أدى إلى اضطرابات كبيرة وتعليق أنشطة الملاحة في بحر آزوف.

المواجهة بين الضغط الاستراتيجي الروسي واستنزاف الدفاعات الأوكرانية

أولا: استراتيجية الضربات الاستراتيجية

في المرحلة الراهنة، انتقلت روسيا من نموذج حرب الاستنزاف البرية التقليدية إلى ما يمكن وصفه بحملة ضغط ناري قصوى، في محاولة لإعادة تشكيل ميزان القوى عبر الأدوات الجوية. ولا يقتصر هذا التوجه على كونه عملية عسكرية، بل يمثل استراتيجية لفرض الكلفة، تستهدف استبدال التقدم البري البطيء والمكلف بضربات جوية دقيقة ومدمرة.

ويتمثل الهدف النهائي لهذه المرحلة في إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية. فموسكو، عبر تكثيف الهجمات على البنى التحتية الحيوية ومنشآت الطاقة، تسعى إلى إحداث استنزاف نفسي ـ اقتصادي داخل المجتمع الأوكراني وبين النخب السياسية. وتتحرك هذه الاستراتيجية في اتجاهين متوازيين:

الأول، إضعاف منظومة الدفاع الجوي، من خلال استخدام مزيج من الطائرات المسيرة والصواريخ لإحداث حالة من تشبع الدفاعات الجوية، حيث يتجاوز حجم التهديدات الواردة القدرة العملياتية والحسابية لأنظمة الاعتراض.

والثاني، فرض شروط التفاوض، عبر ممارسة ضغوط واسعة على قدرة كييف على اتخاذ القرار، بما يدفعها إلى قبول تسوية تفاوضية تكرس المصالح الروسية حتى من دون إحداث تغييرات كبيرة على خطوط المواجهة.

ثانيا: تحليل اختلال التوازن بين التكنولوجيا ومعدلات الاعتراض

في الوقت الذي تؤكد فيه أوكرانيا أنها بلغت مستوى متقدما في مواجهة التهديدات منخفضة الارتفاع، مثل الطائرات المسيّرة الانتحارية، فإن التصدي للصواريخ الباليستية كشف عن فجوة حرجة في القدرات. وتعود هذه الفجوة إلى اختلال التوازن بين سرعة الإنتاج العسكري الروسي وسرعة إعادة بناء وتعزيز منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية.

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2025، ومع انتقال روسيا إلى اقتصاد الحرب، ارتفع معدل إنتاج وإطلاق الصواريخ الباليستية بأكثر من 700%، وهو ما حولها من قوة دفاعية إلى آلة قادرة على إنتاج التهديدات بصورة مستمرة.

وتشير البيانات العملياتية إلى تراجع واضح في كفاءة أنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية في اعتراض الصواريخ الباليستية. وإذا اعتبر معدل اعتراض الطائرات المسيرة مؤشرا على الاستقرار، فإن معدل اعتراض الصواريخ الباليستية اتخذ اتجاها معاكسا. فقد أدى الانخفاض الحاد في معدلات الاعتراض إلى تراجعها إلى 10.2% في عام 2026، بما يعكس انتقال الدفاعات الأوكرانية من مرحلة الدفاع الفاعل إلى مرحلة الدفاع الهش.

استشراف السيناريو المستقبلي

استنادا إلى بيانات مطلع عام 2026، التي سجلت 167 عملية إطلاق لصواريخ باليستية خلال الشهرين الأولين من العام، تشير النمذجة الزمنية إلى أن روسيا قد تصل إلى 840 عملية إطلاق بحلول نهاية العام. وهذا يعني أن عام 2026 قد يشهد نحو 754 إصابة ناجحة لصواريخ باليستية لأهداف استراتيجية، ليصبح العام الذي يبلغ فيه الضغط الاستراتيجي الروسي ذروته.

ويضع هذا الواقع أوكرانيا أمام تحدٍ بالغ الخطورة؛ فإذا لم تتمكن من كسب الوقت الاستراتيجي عبر تنفيذ ضربات عميقة تستهدف مصانع إنتاج الصواريخ ومنصات الإطلاق الروسية، بما يؤدي إلى تعطيل وتيرة الإنتاج، فإنها ستواجه أزمة التشبع النهائي. 

ولإعادة التوازن، تحتاج كييف إلى الانتقال من الدفاع الثابت إلى الضربات الاستباقية ضد مراكز الإنتاج، بالتوازي مع تسريع الحصول على أجيال جديدة من منظومات الاعتراض، مثل باتريوت، لرفع معدل الاعتراض من المستوى الحرج البالغ 10% إلى مستوى أكثر أمنا.

المصدر: موقع ايراس

————————

المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

 

المقال السابقطهران: تلقينا رسائل أمريكية تفيد باستعدادها للعودة إلى التزاماتها
المقال التاليالمرجعية والاستفتاءات…هل يشكل المكياج حاجزاً بين الجبهة والتربة ؟