شفقنا- نجحت الرياض في التوصل إلى هدوء نسبي مع إيران بالتزامن مع دخول وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن حيز
تجد السعودية نفسها بصورة متزايدة في قلب حرب لم تسعَ إليها، في وقت تحاول فيه بناء تحالفات دفاعية إقليمية لردع خصومها وتعزيز قدرتها على مواجهة الهجمات الإيرانية وهجمات حلفائها في المنطقة.
لكن هذه التحركات لم تنجح حتى الآن، بحسب محللين ودبلوماسيين، في تحقيق الردع المطلوب أو منع الهجمات. فمساعي الرياض لتشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات في البحر الأحمر، إلى جانب إشراك تركيا في اتفاقية دفاعية مع السعودية وباكستان، لم تحول دون استمرار الهجمات.
وفي الوقت نفسه، لا تزال الردود العسكرية السعودية محدودة تجاه الهجمات القادمة من إيران والعراق والحوثيين في اليمن، الذين فتحوا الشهر الماضي جبهة جنوبية ضد المملكة واستهدفوا سفناً سعودية.
وتواجه الرياض بذلك معضلة دقيقة: كيف تردع الهجمات وتحمي مشاريعها الاقتصادية الطموحة، من دون الانجرار إلى صراع إقليمي أوسع تغذيه الحرب بين الولايات المتحدة وإيران؟
وقال مسؤول في الشرق الأوسط إن المشكلة بالنسبة للسعودية تتمثل في أن خصومها يدركون رغبتها في تجنب الحرب، ولذلك يستغلونها.
ويرى عزيز الغشيان، المحلل السعودي والزميل البارز غير المقيم في منتدى الخليج الدولي، في حديث لرويترز أن الوضع يثير قلقاً بالغاً، وهو تحديداً ما كانت السعودية تسعى إلى تجنبه.
وقال إن إيران وحلفاءها يعتقدون أن السعودية لن ترد، وإنهم فسّروا ضبط النفس السعودي باعتباره قبولاً ضمنياً باستهدافها، ما يجعل إيجاد وسيلة لردعهم أمراً بالغ الأهمية، مع بقاء التحدي في كيفية تحقيق التوازن.
وبعد توقيع اتفاقية الدفاع، شن الحوثيون هجوماً جديداً على منشآت نفطية في المملكة.
تصعيد تدريجي
منذ بدء الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في 28 شباط/ فبراير حاولت السعودية احتواء الهجمات، فاختارت في البداية التحرك عبر القنوات الدبلوماسية، قبل الانتقال إلى ردود عسكرية محدودة جرى التكتم عليها.
ونجحت الرياض في التوصل إلى هدوء نسبي مع إيران بالتزامن مع دخول وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن حيز التنفيذ في أبريل/نيسان، كما برزت السعودية حينها باعتبارها ملاذاً أكثر أمناً في الخليج.
لكن الأسابيع الأخيرة وضعت هذا الهدوء أمام اختبار صعب، بعدما تعرضت المملكة لهجمات من اليمن والعراق استهدفت منشآت نفطية حيوية، إلى جانب حركة الشحن في مضيقي هرمز والبحر الأحمر.
وقبل أسبوعين، نفذت السعودية والولايات المتحدة غارات جوية مشتركة على فصائل عراقية قالتا إنها متورطة في الهجمات على المملكة. وكان ذلك أول رد سعودي معلن خلال الحرب، رغم حرص الرياض على عدم الظهور كطرف مشارك في القتال إلى جانب الولايات المتحدة و”إسرائيل”.
وبعد يومين، أعلنت السعودية نيتها قيادة تحالف دفاعي بحري في البحر الأحمر.
ثم أعلنت الرياض الأسبوع الماضي «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» مع تركيا وباكستان.
وترى ياسمين فاروق، مديرة مشروع منطقة الخليج في مجموعة الأزمات الدولية، أن الاتفاقية والتحالف يمثلان رسالة إلى إيران مفادها أن السعودية مستعدة للذهاب إلى مدى أبعد، بعد استنفاد الخيارات الدبلوماسية أولاً.
وأضافت في حديث لرويترز أن هذه الخطوات تعكس تحركاً سعودياً تدريجياً نحو المراحل الأخيرة من سياسة خفض التصعيد والردع، لكنها في الوقت نفسه لا تزال بمثابة «بالونات اختبار»، فيما يبقى تنفيذ عمل عسكري مشترك أمراً غير مرجح في الوقت الراهن.
اتفاقية مكة للدفاع
يقول سلطان العامر، الباحث غير المقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، إن اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، التي أُعلنت في أحد أقدس المواقع الإسلامية وبعد صلاة الجمعة، تحمل أهمية رمزية كبيرة.
ويتمثل أبرز دلالاتها في تعهد دول إسلامية بالدفاع عن بعضها بعضاً باعتبارها «أمة» واحدة.
لكن الأدوار العملية للأطراف تبدو أقل وضوحاً، فقد قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، السبت الماضي، إن الاتفاقية تتطابق من الناحية الفنية مع المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، إلا أن تقديم الدعم لأي دولة تتعرض لهجوم سيحتاج إلى مشاورات بين الأطراف، في حال طلبت الدولة المستهدفة ذلك.
أما باكستان، التي سبق أن وقعت اتفاقية دفاعية مع السعودية، فقد سعت إلى تجنب الانخراط في مواجهة عسكرية مع إيران أو حلفائها، ونجحت في ذلك رغم تعرض السعودية لمئات الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة.
من جانبها، وصفت إيران الاتفاقية بأنها خطوة باتجاه التخلص من الاعتماد على القوى الخارجية، في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة، وقالت إنها لا ترى سبباً للقلق «طالما أن الاتفاقية تحدد العدو والتهديد بالشكل الصحيح».
جبهة اليمن
على الحدود الجنوبية للسعودية، أنهى الحوثيون في اليمن الشهر الماضي هدنة استمرت أربع سنوات، وأعلنوا حصاراً بحرياً على المملكة، كما استهدفوا بنيتها التحتية النفطية.
وأعادت هذه الهجمات إلى الأذهان مخاطر الحرب غير التقليدية التي تواجهها السعودية، وذكّرت بأزمة عام 2019، عندما انخفض إنتاج النفط السعودي إلى النصف إثر هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ شنها الحوثيون، وأشارت تقارير لرويترز حينها إلى أن إيران خططت لها.
ويبقى اليمن من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى الرياض، التي قادت تدخلاً عسكرياً هناك عام 2015، بعد سيطرة الحوثيين المدعومين من إيران على العاصمة صنعاء، وهو التدخل الذي أثار انتقادات دولية واسعة بسبب الخسائر البشرية الكبيرة والحرب والمجاعة.
ومع اقتراب اليمن مجدداً من حافة الحرب، تريد السعودية هذه المرة أن تتولى الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً قيادة أي هجوم محتمل، فيما تؤكد الرياض ضرورة تشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر.
وقال عدد من المشاركين في الاجتماع الأول للتحالف إن الدعوات وُجهت قبل أيام قليلة فقط من انعقاده، في مؤشر على حجم الاستعجال الذي تتعامل به السعودية مع الملف.
وحتى الآن، انضمت 14 دولة من المنطقة إلى التحالف، مع توقع انضمام دول أخرى. في المقابل، لا تزال الدول الأوروبية تدرس المشاركة، وفق دبلوماسيين غربيين، وسط مخاوف من احتمال تورطها في حرب اليمن.
وتسعى السعودية إلى الإعلان رسمياً عن تشكيل التحالف في أقرب وقت ممكن، فيما من المقرر عقد اجتماعات بهذا الشأن في جدة خلال هذا الأسبوع.


