شفقنا – فرض الجفاف والتغيرات المناخية واقعاً جديداً على سكان الأهوار، بعدما تسببت بانحسار المياه واختفاء مهن تقليدية ارتبطت بالمكان لعقود، مقابل ظهور أنشطة جديدة فرضتها ظروف التكيف مع الأزمة البيئية.
على مجرى جاف كان يوما يغمر مجذافه الخشبي بالماء، يجلس أبو حيدر حاملا بين يديه قطعتين من الألومنيوم، يطرق عليهما بإيقاع رتيب يعكس حسرة التغير الذي ألم بدياره. ويمتد بصره نحو الهور، مستذكرا أيام كان ينساب فيها «المشحوف» الخشبي بوقار وسط أعماق سخية ومياه وفيرة تحمله من دون أن يلامس القاع.
أما اليوم، ومع انحسار المياه وجفاف المسارب، فقد اضطر هو وأبناء الأهوار إلى طي تلك الصفحة، واستبدال الخشب الثقيل بالألومنيوم الخفيف، وتثبيت محرك صغير عليه، ليتحرك الزورق عبر ممرات مائية ضيقة وضحلة.
ولم تكن قصة تغيير «المشحوف» مجرد استبدال وسيلة نقل، بل مثلت إسدال الستار على عالم كامل من المهن. فقد غابت حرفة صناعة الزوارق الخشبية العتيقة، ولحقت بها صناعات القصب والغزول وألبان الأهوار الشهيرة، لتفسح المجال أمام مهن أوجدتها الحاجة وفرضتها قسوة المناخ.
ويمتلك أبو حيدر، البالغ ٥٩ عاما، ورشة صغيرة على ضفة نهر متفرع من هور الحويزة، لا تزال رائحة الخشب والقير تملأ أرجاءها، لكن صوت المناشير لم يعد كما كان، وفقا لقوله.
فقبل سنوات، كان يقضي أيامه في صناعة ثلاثة أو أربعة مشاحيف شهريا، وكان الصيادون ومربو الجاموس وسكان الأهوار يتوافدون إلى ورشته، إذ لم يكن المشحوف مجرد قارب خشبي، بل وسيلة حياة لا يمكن الاستغناء عنها. أما اليوم، فبالكاد يطرق بابه زبون واحد كل عدة أشهر.
المشحوف
ويقول سلمان: «تعلمت هذه الصنعة من والدي، وهو تعلمها من جدي. كنا نعيش منها جميعا، ولم أفكر يوما أن يأتي وقت لا يجد فيه المشحوف ماء يبحر فيه».
ويضيف: «صناعة الباب تعلمتها وأنا كبير، أما المشحوف فهو الذي رباني. عندما تركت هذه المهنة، شعرت وكأنني فقدت جزءا من هويتي، وليس فقط مصدر رزقي».
وتتسلل آثار التغيرات المناخية إلى عمق الحياة اليومية لأبناء الأهوار ببطء وقسوة، لتطال تفاصيل عيشهم وأدوات أرزاقهم.
يرى الخبير البيئي أحمد صالح نعمة أن هذا التحول في المشهد يمثل شهادة حية على كيفية إجبار الطبيعة الإنسان على إعادة تعريف مهنه، فبينما غابت حرف لطالما شكلت هوية المنطقة على مدى قرون، برزت مهن جديدة لم تكن تخطر على بال أحد من قبل.
ويبين نعمة أن «جذر القصة يبدأ من الشرايين المائية التي جفت، فشح الواردات المائية وانحسار المناسيب لم يعودا يسمحان للمشحوف الخشبي الأصيل بالطفو كما كان، وهو الذي يحتاج دائما إلى مياه وفيرة وأعماق مريحة».
ويشير إلى اضطرار «أبناء الأهوار إلى ابتكار حلول سريعة للتكيف، مستبدلين الزوارق الخشبية العتيقة بمشاحيف حديثة مصنوعة من الألومنيوم ومزودة بمحركات آلية، لتظهر مع هذا التغيير أنماط جديدة من مهن الصيانة والتصنيع التي لم تكن معروفة في هذه البيئة المائية الهادئة».
تغيير الزوارق
ولم يكتف الجفاف، وفقا لنعمة، بتغيير الزوارق، بل امتد ليعكر صفو الصناعات القصبية واليدوية التي كانت تزدهر على ضفاف الهور، إذ انحسرت بوضوح مهن غزل الصوف وصناعة الحصير المنسوج، فضلا عن تشييد البيوت الصغيرة للحيوانات والمضايف القصبية التقليدية.
وأشار إلى أن «تراجع أعداد الأغنام التي كانت تنتشر بكثرة وتجوب هذه المناطق، قلل المنفعة المعتادة من جلودها وغزولها، وانحسرت معه مهن عريقة ارتبطت بصناعة الألبان ومشتقات الحليب الشهيرة التي تميزت بها الأهوار، من القيمر والروبة إلى الجبن والدهن الحر».
وتمتد تأثيرات التغيرات المناخية إلى المشهد المعماري للمكان، إذ يؤكد نعمة أنه «تبدل كليا تحت وطأة الحرارة والتغير المناخي، فالقصب الذي كان يمثل العازل الحراري الطبيعي والعماد الأساسي لبيوت الأهوار بدأ يفسح المجال أمام مهن بناء جديدة كليا».
ويبين أن الأهالي بدأوا استخدام «البلوك» في بناء الجدران، ومادة «السندويش بنل» لتسقيف المنازل، بحثا عن الوقاية من الحرارة اللاهبة.
ويرى نعمة أن التغيرات المناخية «حكاية تبدل كامل لملامح الحياة، إذ طوت صفحة صناعات وحرف عريقة، وأفردت في الوقت نفسه مساحة لمهن جديدة اقتضاها التكيف وصراع البقاء».
من جانبه، يؤكد الباحث البيئي سيف الكرعاوي أن التغير المناخي لم يعد مجرد أزمة بيئية، بل تحول إلى عامل يعيد تشكيل حياة العراقيين ومصادر رزقهم، خصوصا في المناطق الأكثر تأثرا بالجفاف والتدهور البيئي.
ويقول الكرعاوي لـ«المدى» إن مشاهد النزوح من أهوار جنوب العراق تكشف حجم التحولات التي فرضها المناخ على السكان، إذ اضطر مربو المواشي والمزارعون إلى هجر أراضيهم وترك المهن التي ارتبطت بحياتهم لعقود طويلة، بحثا عن فرص عمل بديلة تضمن لهم الحد الأدنى من العيش.
ولا يختلف هذا الواقع، بحسب الكرعاوي، عن ظاهرة تحويل الأراضي الزراعية إلى أحياء سكنية، وهي عملية تعكس تراجع النشاط الزراعي وانسحاب أعداد متزايدة من الفلاحين من مهنتهم التقليدية، بعدما أصبحت الأرض أقل قدرة على توفير مورد مستدام.
ويؤكد أن الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها النساء وكبار السن، تدفع الثمن الأكبر لهذه التحولات، إذ تجد نفسها مضطرة إلى التخلي عن مهن اعتادت عليها منذ سنوات طويلة، والانتقال إلى أعمال وبيئات جديدة لم تألفها من قبل، في محاولة للتكيف مع واقع فرضته التغيرات المناخية.
انتهی.


