علماء: تطور الدماغ البشري لا يواكب سرعة تطور الذكاء الاصطناعي

شفقنا – كشفت دراسة تحليلية جديدة نُشرت في دورية Science China Information Sciences أن أخطر التحديات التي قد تنجم عن التقارب المتزايد بين الإنسان والذكاء الاصطناعي لا تتمثل في “تمرد الآلات”، بل في اتساع الفجوة بين سرعة التطور التكنولوجي والقدرات البيولوجية للإنسان، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات اجتماعية وأخلاقية.

وأوضح الباحثون أن الدماغ البشري يتطور وفقا لإيقاع بيولوجي يمتد عبر آلاف السنين، في حين تشهد أنظمة الذكاء الاصطناعي تحديثات جذرية خلال أشهر، وأحيانا أسابيع فقط، واصفين هذا الاختلاف في وتيرة التطور بأنه أحد أبرز التحديات التي قد تواجه البشرية خلال السنوات المقبلة.

الدماغ البشري.. بنية مستقرة منذ مئات آلاف السنين

وأشار الباحثون إلى أن الدماغ البشري بلغ شكله الحالي قبل نحو 300 ألف عام، وظلت بنيته الأساسية وآليات نقل الإشارات العصبية فيه مستقرة إلى حد كبير منذ ذلك الحين.

ويستهلك الدماغ نحو 20 واطا فقط من الطاقة، بينما تنتقل الإشارات العصبية بسرعات تتراوح بين متر و100 متر في الثانية، ولا يتجاوز معدل إطلاق الخلايا العصبية 100 إلى 200 مرة في الثانية. كما تفرض الجمجمة والقيود الأيضية حدودا طبيعية على سرعة المعالجة وسعة الذاكرة العاملة.

ورغم امتلاك الدماغ قدرة على التكيف عبر ما يُعرف باللدونة العصبية، فإن هذه التغيرات تحدث تدريجيا من خلال إعادة تشكيل الوصلات العصبية، وهو ما يجعل مجاراة التسارع التقني أمرا بالغ الصعوبة.

الذكاء الاصطناعي.. يتطور خلال أسابيع

في المقابل، تتغير أنظمة الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة، إذ تعتمد النماذج الحديثة على تنسيق عشرات الآلاف من المعالجات، ويمكن إعادة تصميمها ونشرها عالميا خلال أسابيع قليلة.

لكن هذه السرعة تأتي بثمن مرتفع، إذ يتطلب تدريب النماذج الضخمة استهلاكا هائلا للطاقة وقدرات حوسبة متقدمة داخل مراكز البيانات.

وأطلق الباحثون على هذا التباين اسم “عدم تطابق وتيرة التطور”، حيث تتسارع التكنولوجيا بوتيرة تعجز البيولوجيا البشرية والمؤسسات الاجتماعية عن مواكبتها. واقترحوا مفهوم “تجاوز الانتقاء الطبيعي”، الذي يقوم على استخدام التكنولوجيا لتعزيز القدرات البشرية بمعدل أسرع مما تسمح به آليات التطور البيولوجي التقليدية.

عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة

وأشار الباحثون إلى أن الذكاء الاصطناعي ظل لفترة طويلة محصورا في العالم الرقمي، مقتصرا على معالجة النصوص والصور والبرمجيات، إلا أن التطورات في مجالات الروبوتات والإلكترونيات الحيوية بدأت تزيل الحواجز بين العالمين الرقمي والمادي.

ووصفوا هذه المرحلة بمصطلح “عتبة التجسيد”، أي عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من حلقة تفاعل مباشرة مع جسم الإنسان أو جهازه العصبي.

ويبدأ هذا الانتقال من الأجهزة القابلة للارتداء التي تراقب المؤشرات الحيوية، وصولا إلى واجهات الدماغ والحاسوب القادرة على قراءة النشاط العصبي مباشرة.

وأكدت الدراسة أن الإلكترونيات الحيوية المرنة تمثل الحلقة الأساسية التي تربط الذكاء الاصطناعي بالجسم البشري، وهو ما دفع الباحثين إلى تطوير مواد مرنة وذاتية الإصلاح وأجهزة نسيجية متطورة.

ومن أبرز الأمثلة على هذه التقنيات الأقمشة الذكية التي تقيس مستويات الغلوكوز والكورتيزول، والحنجرة الاصطناعية القادرة على التقاط الإشارات العضلية، والأنظمة الإلكترونية التي تُزرع عبر الأوعية الدموية للوصول إلى القشرة الحركية في الدماغ.

ورغم ذلك، لا تزال هذه الابتكارات تواجه تحديات تتعلق بالإنتاج واسع النطاق، والتوافق الحيوي، وتوفير مصادر طاقة مناسبة.

خطر فجوة اجتماعية جديدة

وحذرت الدراسة من أن التقارب بين الإنسان والآلة لن يؤدي تلقائيا إلى مستقبل أفضل، إذ إن الوصول إلى هذه التقنيات سيظل مرتبطا بالإمكانات الاقتصادية وسلاسل التوريد.

وأطلق الباحثون على هذا السيناريو اسم “التقسيم الطبقي البيولوجي-التكنولوجي”، محذرين من أن احتكار التقنيات المعززة للقدرات الإدراكية والجسدية من قبل فئة محدودة قد يحول التفاوت من فجوة اقتصادية إلى فجوة في القدرات البشرية نفسها.

كما نبهوا إلى مخاطر انتهاك خصوصية البيانات العصبية إذا أصبحت الإشارات الدماغية تُجمع وتُتداول باعتبارها بيانات استهلاكية.

كيف يمكن الحد من هذه المخاطر؟

واقترحت الدراسة إطارا تنظيميا تدريجيا يعتمد على مستوى تطور التكنولوجيا، وليس على جداول زمنية ثابتة، ويتضمن ثلاث مراحل رئيسية:

المرحلة الأولى: فرض معايير للشفافية، تشمل الإفصاح عن القدرات الحاسوبية ومصادر بيانات التدريب في مرحلة تطوير النماذج.

المرحلة الثانية: بعد الوصول إلى “عتبة التجسيد”، يتركز الاهتمام على سلامة التفاعل بين الإنسان والآلة، مع ضمان حق المستخدم في إيقاف النظام متى شاء.

المرحلة الثالثة: تعزيز الحوكمة الدولية من خلال آليات رقابية عابرة للحدود، على غرار نموذج المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN) والوكالة الدولية للطاقة الذرية، بهدف الحد من احتكار عدد محدود من الشركات للتقنيات الأساسية.

وأكد الباحثون أن القيمة الأساسية للدراسة لا تكمن في التنبؤ بمستقبل الذكاء الاصطناعي، بل في إعادة الإنسان إلى محور النقاش، مشددين على أن الهدف ينبغي ألا يكون تعظيم قدرات الآلات فحسب، وإنما توظيف التكنولوجيا لتعزيز القدرات البشرية، مع وضع أطر تنظيمية تضمن بقاء الإنسان صاحب القرار في رسم مستقبله.

انتهى.

المقال السابقوكيل المرجعية: الشعائر الحسينية إحدى الدعامات التي أبقت لنا الإسلام المحمدي
المقال التاليشاهد.. “أسطول هتلر” يظهر فوق اليابسة بسبب موجة الحر في أوروبا