شفقنا – تحت وطأة الحرب والانهيار الاقتصادي تراجع التعليم الجامعي في سلم أولويات كثير من العائلات في غزة بعدما باتت الموارد محدودة وتُستهلك أولاً لتأمين الطعام والمياه والمأوى.
حصلت الطالبة الفلسطينية راما تيسير رمضان (18 سنة) على معدل 85.3% في الثانوية العامة، لكن الشهادة وحدها في قطاع غزة ليست طريقاً واضحاً لدخول الجامعة، وهي تحتاج اليوم إلى من يموّل تعليمها الجامعي بعدما فقدت عائلتها، فيما تتجاوز كلفة الدراسة قدرة كثير من الأسر التي تكافح لتأمين الطعام والمياه والمأوى تحت ضغط تداعيات الحرب.
تواجه راما التي تعيش مع أقاربها في مخيم النصيرات، الواقع القاسي لما بعد الحرب في غزة، فهي الناجية الوحيدة من بين أفراد عائلتها، ولا تزال تعاني من آثار إصابة، واستطاعت رغم النزوح وظروف الدراسة الصعبة أن تحقق معدلاً يؤهلها لمواصلة تعليمها، لكنها تواجه عقبة لا علاقة لها بالتحصيل الأكاديمي تتمثل في انعدام القدرة على دفع تكلفة حلمها. وهي تريد أن تدرس نظم المعلومات الإدارية، وتبحث عن جامعة أو جهة تكفل تعليمها، لكن الطريق إلى مقعد جامعي يرتبط بسؤال اقتصادي واحد هو مَن سيدفع الرسوم؟
في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 فقدت راما والديها وأشقاءها وعشرات من أقربائها في قصف مباشر استهدف منزل أسرتها في منطقة المخيم الجديد بالنصيرات. ومنذ ذلك الوقت لم تعد حياتها كما كانت بعدما فقدت مصدر الأمان والدعم، وأصبحت تواجه الحياة باعتبارها الناجية الوحيدة من عائلتها.
ولم تتوقف الخسارة عند هذا الحدّ، إذ تعرّضت راما لإصابة بالغة في قدمها وخضعت لعلاج في مستشفيات لمدة أكثر من عامين مع وضع صفائح ومثبتات معدنية في وقت تواجه فيه المنظومة الصحية في غزة ظروفاً استثنائية ونقصاً حاداً في الإمكانات. ولا تزال آثار الإصابة حاضرة في حياتها اليومية لأنها لم تحصل على العلاج الذي تحتاج إليه.
ورغم كل ذلك قررت راما أن تكمل تعليمها. ولم يكن الطريق إلى امتحانات الثانوية العامة سهلاً بالنسبة إليها، ودرست في ظروف النزوح داخل خيمة لم توفر البيئة المناسبة لطالبة تستعد لامتحان يحدد مستقبلها.
جعلت الحرارة المرتفعة الدراسة ساعات طويلة أمراً شاقاً لراما، وحرمها انقطاع الكهرباء من وسائل تعليم أساسية، بينما لم يتوفر لها هاتف تعتمد عليه في متابعة الدروس والمواد التعليمية بعدما فقدت كل شيء تحت الأنقاض. كان عليها أن تدرس من دون مقومات الدراسة الطبيعية، وتحاول أن تركز في وقت انشغل محيطها بتأمين أبسط الاحتياجات. وتقول: “ما زلت أعاني من إصابتي في قدمي، ولم أتلقَ العلاج الكافي في ظل انهيار المنظومة الصحية. عشت أشهراً صعبة خلال حرب الإبادة، لكن هذا لم يمنعني من الحصول على معدل يحقق لي حلمي بالتخصص الذي طالما تمنيته”.
ويمثل المعدل الذي حصلت عليه راما إنجازاً بالنسبة إلى طالبة درست في ظروف الحرب والنزوح وفقدت عائلتها وأصيبت، لكن النتيجة التي كان يفترض أن تكون جواز عبور إلى المرحلة الجامعية أصبحت بالنسبة إليها بداية لمشكلة أخرى، تقول: “أريد دراسة نظم المعلومات الإدارية، لكنني لا أعرف كيف سأدفع تكاليف الجامعة. وما يصعّب المهمة عدم وجود معيل يتحمّل التكاليف عني. أبحث اليوم عن جامعة أو جهة تكفل تعليمي لكنني لم أجد من يضمن مواصلتي الدراسة”.
وتلفت إلى أن “الحياة الجامعية تحتاج إلى كثير من المصاريف لتسديد رسوم المواصلات والإنترنت والكهرباء والهاتف، وهذه الاحتياجات التي كانت جزءاً من الحياة اليومية قبل الحرب لم تعد أولوية بالنسبة إلى كثيرين”.
ومن داخل خيمتها في النصيرات، ترى راما أن تبدّل الأولويات يمكن أن يهدد مستقبل جيل كامل، فالشاب الذي لا يستطيع الالتحاق بالجامعة بسبب الفقر أو انعدام الدخل قد يخسر سنوات من التعليم، بينما تواجه الأسر التي تعيش على المساعدات أو الموارد المحدودة خيارات قاسية بين الإنفاق على احتياجات أساسية فورية والاستثمار في تعليم قد تظهر ثماره بعد سنوات. وفي حالتها تبدو المعادلة أكثر قسوة، لأنها نجحت في تجاوز أحد أصعب الاختبارات وحصلت على معدل جيد جداً رغم الحرب والنزوح والإصابة وفقدان عائلتها، لكنها تجد نفسها الآن أمام اختبار قدرتها على تحمّل كلفة التعليم.
وفي وقت تحاول أن تبحث عن فرصة جامعية تحتفظ راما بمساحة صغيرة لحياتها الخاصة. ترسم يومياً الصور التي تحبها، من بينها وجوه والديها وأشقائها الذين فقدتهم. كانت تتمنى أن تكون عائلتها حولها في اليوم الذي ظهرت فيه نتائج الثانوية العامة، وأن تسمع منهم كلمات الفخر والتهنئة. كانت تريد أن تشاركهم لحظة طالما انتظرتها بعد أشهر من الدراسة والامتحانات، لكنها استقبلت النتيجة من دونهم.
ويُظهر تقييم أجرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية تضرر 95% من مؤسسات التعليم العالي في غزة، وتدمير 22 حرماً بالكامل، وتعرض 14 لأضرار متفاوتة، وأن 195 من أصل 206 مبانٍ شملها التقييم غير صالحة للعمل.
وتقدّر “يونسكو” تكلفة الأضرار المباشرة التي لحقت بمؤسسات التعليم العالي بنحو 373 مليون دولار، في وقت امتدت الخسائر إلى المختبرات والمرافق المتخصصة والبنية التكنولوجية. كما يشير التقييم إلى أن 1112 من العاملين في مؤسسات التعليم العالي، أي نحو 22% من القوى العاملة التي شملها التقييم، قتلوا أو أصيبوا أو احتجزوا، مع احتمال أن تكون الأرقام الفعلية أعلى.
وتعني هذه الأرقام أن أزمة التعليم في غزة ليست أزمة طلاب فقط، ولا تتعلق بتدمير مبانٍ جامعية فحسب، بل أزمة اقتصادية متكاملة تمتد من قدرة المؤسسات على إعادة تشغيل مرافقها إلى قدرة الأسر على تمويل تعليم أبنائها.
انتهی.


