من الغزو إلى الحصار بالنيران.. كيف يمكن للصين تطويق تايوان دون احتلال مباشر؟

شفقنا-إن الحكومة الصينية، التي تعتبر تايوان جزءا لا يتجزأ من أراضيها ولا تعترف بالحكومة القائمة في تايبيه، تمتلك طيفا واسعا من الخيارات لمحاصرة الجزيرة والسيطرة عليها، ولا يقتصر ذلك على شن حرب برمائية تقليدية واحتلالها بشكل مباشر. 

وفي المقابل، تسعى تايوان من خلال مناورات عسكرية متواصلة إلى تطوير خياراتها الدفاعية لمواجهة مثل هذه السيناريوهات.

وفي إطار المناورات العسكرية السنوية، نقل رئيس جمهورية تايوان،  ليلا داخل ناقلة جند مدرعة إلى أحد مراكز القيادة، في تدريب يهدف إلى محاكاة آلية استمرار عمل الحكومة في حال اندلاع حرب.

هاجس قطع رأس التنين الصغير

وتعد هذه المرة الأولى التي يشارك فيها لاي، الذي تولى الرئاسة عام 2024، بصفته رئيسا للجمهورية في خطة تعرف باسم وان تشون، والتي تعني الوزن العظيم. ويعود أصل هذه الخطة إلى ذروة الحرب الباردة، إذ صممت لضمان نقل رئيس تايوان إلى مكان آمن في حال الحرب أو الأزمات الكبرى، عندما كان الرئيس الأسبق تشيانغ كاي شيك يخشى باستمرار هجوم خصمه ماو تسي تونغ.

وكان تشيانغ وحكومة جمهورية الصين قد لجآ إلى تايوان عام 1949 بعد انتصار الشيوعيين بقيادة ماو في الحرب الأهلية الصينية وإعلان قيام جمهورية الصين الشعبية. ومنذ ذلك الحين، لم يوقَّع أي اتفاق لوقف إطلاق النار أو معاهدة سلام بين الجانبين.

وترفض حكومة تايوان ادعاءات بكين بالسيادة على الجزيرة، وتبدي منذ سنوات مخاوف من أن تقدم الصين، في حال اندلاع حرب، على تنفيذ عملية تعرف باسم ضربة قطع الرأس تستهدف تصفية الرئيس وكبار المسؤولين.

وأعلنت وزارة الدفاع التايوانية، أن المناورات تنفذ وفق سيناريوهات متواصلة وواقعية لتعزيز قدرة الوحدات العسكرية على التعامل مع ظروف القتال الحقيقية. وأضافت أن محاور التدريب تشمل مواجهة الحصار البحري، والتصدي للهجمات الساحلية، وحماية الأهداف الحيوية، وتعزيز الدعم المجتمعي الشامل، في إطار مساعي الحكومة لإعداد المجتمع بأكمله لأي مواجهة محتملة.

ولم يصدر الجيش الصيني أي تعليق على هذه المناورات، في حين يواصل تنفيذ أنشطة عسكرية شبه يومية حول الجزيرة..

وتصف بكين الرئيس “لاي” بأنه انفصالي، وترفض باستمرار دعواته للحوار، بينما يؤكد هو أن شعب تايوان وحده يملك حق تقرير مستقبل الجزيرة.

خيارات بكين للسيطرة على تايوان

يصنف المحللون الخيارات العسكرية الصينية تجاه تايوان ضمن ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

الأول، شن غزو مباشر للسيطرة على الجزيرة.

الثاني، تنفيذ هجوم ناري مشترك تقصف خلاله المدن والمؤسسات السياسية لإثارة الذعر بين السكان المدنيين ودفعهم إلى الاستسلام.

أما الثالث، فهو فرض حصار بحري يهدف إلى إخضاع تايوان عبر قطع خطوط التجارة والإمدادات.

وتعد جميع هذه الخيارات عمليات معقدة ومكلفة بالنسبة للصين، إذ تتطلب استخدام كميات ضخمة من المعدات العسكرية، فضلا عن احتمال وقوع خسائر بشرية وأضرار واسعة النطاق.

كما أن الحصار البحري ينطوي على خطر استهداف سفن تجارية تابعة لدول أخرى، ما قد يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة مع قوى دولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

ومع ذلك، يرى عدد كبير من المحللين أن الحصار البحري يظل الخيار الأكثر جاذبية لبكين، لأنه يجنبها مواجهة التحصينات الدفاعية التايوانية بشكل مباشر، ويرتكز على نقطة ضعف رئيسية تتمثل في اعتماد الجزيرة الكبير على التجارة الدولية. لكن هذا الخيار بدوره يحمل مخاطر تصعيد الصراع ويستلزم أعباء عسكرية كبيرة.

الحصار بالنيران… الخيار الأقل تكلفة

إلى جانب هذه السيناريوهات، تمتلك الصين خيارا آخر لم يحظ بالاهتمام الكافي، رغم أنه قد يحقق نتائج مشابهة للحصار التقليدي بكلفة أقل بكثير، وهو ما يعرف بالحصار بالنيران.

ويقوم هذا الخيار على تنفيذ حملة من الضربات الصاروخية الموجهة خصيصا ضد البنية التحتية للموانئ التايوانية.

وعلى خلاف الغزو المباشر أو الهجوم الناري المشترك، لا يؤدي هذا السيناريو إلى نقل المعارك الواسعة إلى قلب المدن التايوانية، كما أنه، بخلاف الحصار البحري التقليدي، لا يعرض سفن الدول الأخرى للخطر.

ونظرا لأن هذه الاستراتيجية تتطلب عددا محدودا نسبيا من الصواريخ لاستهداف مجموعة محددة من الموانئ، فلن تكون الصين مضطرة إلى فرض طوق بحري كامل حول الجزيرة، كما لن تعرض أسطولها البحري لخطر الصواريخ الدفاعية التايوانية.

وفي إطار الحصار بالنيران، ستظل السفن التجارية الدولية قادرة على الإبحار في محيط الجزيرة، ما يسمح لدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية بمواصلة معظم أنشطتها التجارية دون اضطرابات كبيرة. ويمكن للسفن حتى التوجه نحو تايوان، إلا أن الأضرار الواسعة التي ستلحق بالموانئ ستمنعها من تحميل أو تفريغ البضائع.

وتشير نماذج المحاكاة إلى أن الصين ستكون قادرة، باستخدام بضع مئات فقط من الصواريخ الباليستية، على إحداث اضطراب واسع في حركة التجارة التايوانية والحفاظ على هذا التعطيل لفترة طويلة.

وسيكون على التجارة العالمية التكيف مع أي شكل من أشكال الحصار المفروض على تايوان. وتشير التقديرات إلى أن حجم الأضرار الاقتصادية غير المباشرة التي ستلحق بالدول الأخرى في حال تطبيق الحصار بالنيران لن يختلف كثيرا عن تلك الناجمة عن الحصار البحري التقليدي، غير أن الفارق الجوهري يتمثل في أن الصين لن تستهدف السفن الأجنبية بصورة مباشرة.

وفي هذا السيناريو، سيقتصر الدمار على الأصول والبنية التحتية التايوانية، وهو ما يمنح بكين فرصة للدفع بأن ما يجري يدخل في إطار شأن داخلي، الأمر الذي قد يصعّب على القوى الخارجية تبرير أي تدخل عسكري.

وفي المحصلة، ينظر إلى الحصار بالنيران باعتباره استخداما عالي الكفاءة للقدرات العسكرية الصينية. فبسبب محدودية عدد الأهداف، ستتمكن بكين من الاحتفاظ بمعظم قوتها القتالية، بما في ذلك الجزء الأكبر من ترسانتها الصاروخية، لاستخدامها في ردع الولايات المتحدة وأي أطراف أخرى قد تفكر في التدخل عسكريا إلى جانب تايوان.

المصدر: موقع اكو ايران

————————

المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

 

المقال السابقمجلس الأمن القومي التركي يحذر من توسيع الصراع بين إيران والولايات المتحدة إلى دول المنطقة
المقال التاليفورين أفيرز: حرب إيران تكشف مأزق أمريكا في الشرق الأوسط وحان وقت الانسحاب