فورين أفيرز: حرب إيران تكشف مأزق أمريكا في الشرق الأوسط وحان وقت الانسحاب

شفقنا- أثارت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نقاشًا واسعًا داخل الولايات المتحدة بشأن مستقبل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، حيث يرى محللون أن استمرار الانخراط العسكري الأمريكي في المنطقة أدى خلال العقود الماضية إلى نتائج عكسية، وزاد من حدة الصراعات بدلًا من تحقيق الاستقرار، داعين واشنطن إلى إعادة تقييم سياستها والتركيز على أولويات دولية أخرى.

وأكدت مجلة “فورين أفيرز”، في مقال للكاتب مايكل فوكس، مدير مؤسسات المجتمع المفتوح والذي سبق أن شغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية خلال إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما ومساعدًا خاصًا للرئيس جو بايدن، أن الحرب مع إيران تمثل “كارثة هائلة”، معتبرة أن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا حملة غير ضرورية انتهكت القانون الدولي، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1700 مدني إيراني، بينهم 307 أطفال، إلى جانب إلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية المدنية وزيادة الاضطرابات في المنطقة.

وأشارت المجلة إلى أن الردود الإيرانية على العمليات العسكرية أدت إلى مقتل 18 جنديًا أمريكيًا وإصابة أكثر من 600 آخرين في قواعد عسكرية موجودة في دول مجاورة، فضلًا عن تسبب إغلاق مضيق هرمز في ارتفاع حاد بأسعار الطاقة انعكس على مختلف أنحاء العالم.

وتابعت “فورين أفيرز” أن الحرب الأخيرة مع إيران ليست حادثة منفصلة، بل تأتي باعتبارها أحدث نتائج سلسلة من القرارات التي اتخذتها الولايات المتحدة خلال العقود الخمسة والثلاثين الماضية، وهي قرارات يرى الكاتب أنها جعلت واشنطن أقل أمنًا وأسهمت في إشعال المزيد من الصراعات في الشرق الأوسط.

وأكد المقال أن الولايات المتحدة تعاملت على مدار عقود مع وجودها العسكري في المنطقة باعتباره عنصرًا ضروريًا لحماية مصالحها الاستراتيجية والحفاظ على الأمن الإقليمي، من خلال حماية حلفائها مثل إسرائيل ودول الخليج، واحتواء إيران وخصوم آخرين، إضافة إلى مكافحة الإرهاب.

لكن المجلة أوضحت أن الواقع العملي أظهر أن الانتشار العسكري الأمريكي نفسه أصبح عاملًا يؤدي إلى زعزعة الاستقرار، مشيرة إلى أن هذا الأمر ظهر بشكل واضح في الحملة ضد إيران، حيث أنتجت الحرب المخاطر نفسها التي كان الهدف الأساسي من السياسة الأمريكية منع وقوعها.

ورأى الكاتب أن الوقت أصبح مناسبًا منذ فترة طويلة لسحب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط، وإنهاء تسليح الحكومات التي تنتهك القوانين الأمريكية والدولية، والتخلي عن دور واشنطن باعتبارها الضامن الرئيسي للنظام الإقليمي.

وأضافت “فورين أفيرز” أن مثل هذا التحول سيسمح للولايات المتحدة بالتركيز على ملفات تعتبر أكثر أهمية، من بينها منع اندلاع صراعات بين القوى الكبرى في آسيا وأوروبا.

الدماء والموارد

وأكدت المجلة أن حرب الخليج بين عامي 1990 و1991 شكلت نقطة تحول رسخت الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، بعدما تحولت ذروة القوة الأمريكية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة إلى التزام طويل الأمد استمر لعقود.

وأشارت إلى أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة حافظت على وجود عشرات الآلاف من الجنود في المنطقة، انطلاقًا من اعتقاد بأن القوة العسكرية الدائمة ضرورية لضمان تدفق الطاقة، ودعم إسرائيل، ومواجهة الجماعات الإرهابية، وردع إيران.

لكن “فورين أفيرز” أوضحت أن هذا الوجود العسكري قد يتحول في حد ذاته إلى مصدر للمخاطر، لأنه يعرض الدول المضيفة لعمليات انتقامية، كما يجر الولايات المتحدة إلى صراعات داخلية وإقليمية معقدة.

ولفتت المجلة إلى أن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 لم يكتفِ بتوريط القوات الأمريكية في حرب طويلة ودامية، بل جعلها أيضًا عرضة لهجمات الميليشيات المدعومة من إيران، الأمر الذي دفع واشنطن إلى تنفيذ عمليات عسكرية انتقامية داخل العراق وسوريا ومناطق أخرى.

وأضافت أن تداعيات الحرب في أفغانستان امتدت إلى باكستان، حيث نفذت الولايات المتحدة مئات الضربات باستخدام الطائرات المسيرة ضد مسلحين كانوا يهاجمون القوات الأمريكية عبر الحدود.

وتابعت أن الولايات المتحدة، بعد سحب معظم قواتها من العراق عام 2011، اضطرت إلى إعادة نشر قواتها عام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، الذي ظهر في أعقاب حالة الفوضى التي خلفها الغزو الأمريكي.

وتابعت “فورين أفيرز” أن تكلفة الانخراط الأمريكي الطويل في الشرق الأوسط لم تكن عسكرية فقط، بل امتدت إلى خسائر بشرية ومالية ضخمة، موضحة أن الولايات المتحدة أنفقت نحو 8 تريليونات دولار على حروبها في أفغانستان والعراق وعمليات أخرى ضمن إطار “الحرب على الإرهاب” التي أطلقتها عقب هجمات 11 سبتمبر.

وأشارت المجلة إلى أن هذه الحروب أسفرت عن مقتل أكثر من 15 ألفًا من العسكريين والمتعاقدين الأمريكيين، إضافة إلى إصابة نحو 1.8 مليون جندي بإعاقات، بينما تحملت شعوب المنطقة تبعات هذه الصراعات، حيث قُتل أكثر من 940 ألف شخص بسبب العنف المباشر، بينهم 432 ألف مدني، في حين توفي نحو 3.6 ملايين شخص نتيجة الآثار غير المباشرة لانهيار مؤسسات الدولة في أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن، فضلًا عن نزوح نحو 38 مليون شخص.

وأضافت “فورين أفيرز” أن الولايات المتحدة ساهمت أيضًا بشكل مباشر في أعمال عنف وقمع ارتكبتها دول أخرى، نتيجة اعتماد واشنطن على شراكات أمنية مع حكومات تمتلك أجندات إقليمية خاصة بها.

وأوضحت أن الولايات المتحدة دعمت حكومات استبدادية، من بينها الحكومة المصرية، كما ساندت الحملة السعودية في اليمن، ومكنت الإمارات العربية المتحدة من لعب دور في الحرب الأهلية السودانية، حيث وثق محققون تابعون للأمم المتحدة أعمالًا قالوا إنها ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.

وأكدت المجلة أن مثل هذه العلاقات ساهمت في زيادة الغضب الشعبي تجاه حكومات تلك الدول، وكذلك تجاه الولايات المتحدة نفسها.

إسرائيل نموذج للعلاقات الأمنية ذات النتائج الكارثية

وتطرقت “فورين أفيرز” إلى العلاقة الأمريكية مع إسرائيل، معتبرة أنها تمثل مثالًا واضحًا على كيفية تحول العلاقات الأمنية العميقة إلى نتائج كارثية.

وأشارت المجلة إلى أنه منذ تراجع مفاوضات أوسلو في تسعينيات القرن الماضي، تحول الدعم الأمريكي لإسرائيل إلى ما وصفته بـ”شيك مفتوح” أمام الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، مؤكدة أن هذه الحكومات قوضت فرص تحقيق السلام مع الفلسطينيين من خلال سياسات الضم التدريجي والقمع المنهجي في الضفة الغربية.

وأضافت أن هذا الدعم الأمريكي خلال السنوات الأخيرة منح إسرائيل قدرة على مواصلة عملياتها العسكرية في غزة، مشيرة إلى أن بعثة لتقصي الحقائق تابعة للأمم المتحدة خلصت إلى أن ما يحدث هناك يمثل “إبادة جماعية”.

طريق الخروج

وأكدت “فورين أفيرز” أن الرؤساء الأمريكيين يتحملون مسؤولية الأضرار الناتجة عن الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، معتبرة أن هذا الوجود أدى إلى تورط واشنطن في انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني.

ورأت المجلة أن على الولايات المتحدة تصحيح مسارها، بدءًا بسحب قواتها من المنطقة بمجرد التوصل إلى وقف مستقر لإطلاق النار مع إيران.

وأشارت إلى أن القادة الأمريكيين يواجهون حاليًا قرارات طويلة الأمد، من بينها إعادة بناء القواعد العسكرية التي تضررت خلال الحرب مع إيران، إضافة إلى مسألة بيع أسلحة جديدة للشركاء الإقليميين.

وتابعت أن بعض المحللين في مجال الدفاع دعوا إلى الإبقاء على وجود عسكري محدود في المنطقة، وهو خيار تدرسه وزارة الدفاع الأمريكية وفق تقارير إعلامية، إلا أن المقال يرى أن الانسحاب الجزئي سيبقي الولايات المتحدة معرضة لمخاطر مستمرة.

وأكدت المجلة أن سحب القوات الأمريكية بالكامل من الشرق الأوسط لا يعني بالضرورة إنهاء كل أشكال التعاون مع دول المنطقة، لكنها شددت على ضرورة ضمان توافق المساعدات الأمريكية ومبيعات الأسلحة مع القانون الأمريكي، الذي يفرض وقف هذه المساعدات في حال ارتكاب الجهات المستفيدة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

وأضافت أن تقليص الوجود العسكري الأمريكي سيسمح لواشنطن بتوسيع دورها الدبلوماسي والاقتصادي والإنساني، ودعم حقوق الإنسان والحلول السلمية للنزاعات.

كما دعت إلى زيادة المساعدات الإنسانية للفلسطينيين، ودعم مشاريع اقتصادية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، مثل خطوط أنابيب جديدة لنقل صادرات الطاقة بعيدًا عن مضيق هرمز.

وأشارت إلى أن الولايات المتحدة يمكنها استخدام عملية الانسحاب لتوضيح أنها ستخفض مساعداتها لدول مثل الإمارات وإسرائيل ما لم تعمل على تحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان وإنهاء سياساتها الإقليمية التي وصفتها بالمزعزعة للاستقرار.

ورأت المجلة أنه رغم صعوبة تبني الإدارة الأمريكية الحالية لهذا النهج، فإن الكونغرس قادر على التأثير في مستقبل السياسة الأمريكية بالمنطقة، عبر تقليص التمويل المخصص لوزارة الدفاع لتجديد الذخائر وتحديث القواعد العسكرية، وربط هذا التمويل بشروط محددة.

المخاوف والحقائق

وأشارت “فورين أفيرز” إلى أن معارضي تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط يحذرون من مخاطر كبيرة قد تنتج عن الانسحاب، لكنها أكدت أن هذه المخاطر حقيقية ويمكن التعامل معها.

أوضحت المجلة أن واشنطن لطالما اعتقدت أن وجودها العسكري في المنطقة يضمن حرية الملاحة، إلا أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هي التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز، في وقت لم يتمكن فيه الجيش الأمريكي من إعادة فتحه بالقوة.

وأضافت أن هذه التطورات أثارت تساؤلات حول جدوى استمرار انتشار الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين.

وأكدت المجلة أن إيران ودول الخليج تشترك في مصلحة الحفاظ على تدفق الطاقة رغم الخلافات السياسية بينها، مشيرة إلى أن تنوع مصادر الطاقة العالمية، وزيادة إنتاج الولايات المتحدة للطاقة، ونمو مصادر الطاقة المتجددة، يجعل أي اضطرابات مستقبلية في حركة الشحن أقل خطورة.

كما ردت المجلة على حجة أن الوجود العسكري الأمريكي ضروري لاحتواء إيران، مشيرة إلى أن الحرب الأخيرة أظهرت عدم قدرة الولايات المتحدة على حماية شركائها في الخليج من الهجمات الإيرانية.

وأضافت أن دول الخليج بحاجة إلى بناء ترتيبات أمنية جديدة فيما بينها لا تعتمد بشكل كامل على واشنطن، مع إمكانية استمرار الدور الأمريكي عبر الدعم الاقتصادي والدبلوماسي.

أمن إسرائيل

وتابعت “فورين أفيرز” أن استمرار الوجود العسكري الأمريكي لفترات طويلة لم يؤد بالضرورة إلى تسهيل مكافحة الإرهاب، موضحة أن استخدام الطائرات المسيرة والعمليات العسكرية الأمريكية واسعة النطاق ربما ساهم في زيادة الدوافع التي تدفع جماعات مسلحة إلى استهداف الأمريكيين.

وفيما يتعلق بأمن إسرائيل، أكدت المجلة أن إسرائيل، باعتبارها دولة نووية وتمتلك أحد أكثر الجيوش تطورًا في المنطقة، قادرة بدرجة كبيرة على الدفاع عن نفسها.

وأضافت أن الوجود الأمريكي قد يكون شجع إسرائيل على تبني سياسات زادت من التهديدات التي تواجهها، داعية واشنطن إلى ربط مساعداتها العسكرية بشروط، من بينها إنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية، والسعي لتحقيق السلام مع الفلسطينيين، ووقف العمليات العسكرية في إيران ولبنان وسوريا.

وأكدت أن هذه الخطوات من شأنها تقليل المخاطر التي تجلبها إسرائيل على نفسها.

مراجعة شعبية شاملة

وأكدت “فورين أفيرز” أن الأمريكيين أصبحوا يشعرون بالإرهاق بعد عقود من الحروب المتواصلة في الشرق الأوسط، مشيرة إلى استطلاع رأي حديث أظهر أن 62 بالمئة من الأمريكيين يفضلون البقاء بعيدًا عن الحروب قدر الإمكان، مقابل 33 بالمئة يؤيدون استخدام القوة العسكرية عندما تخدم مصالح البلاد.

وأضافت أن القادة الأمريكيين لا يبدون متوافقين مع هذا التوجه الشعبي، مشيرة إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فاز بانتخابات مرتين بعد انتقاد مرشحين سابقين بسبب الحروب التي لا تنتهي في الشرق الأوسط، قبل أن يدخل هو نفسه في حرب جديدة.

وأشارت المجلة إلى أن إدارة ترامب استخدمت سلطة الدولة ضد معارضين لسياساتها تجاه إسرائيل، سواء عبر حجب التمويل عن الجامعات أو ترحيل المحتجين وسجنهم، في وقت يواجه فيه المواطنون الأمريكيون ضغوطًا اقتصادية ومعيشية.

وأضافت أن ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية وصلت إلى نحو تريليون دولار لعام 2026، مع توجه الإدارة لزيادة إضافية بنسبة 50 بالمئة في عام 2027.

واختتمت “فورين أفيرز” تقريرها بالتأكيد على أن الولايات المتحدة لا تزال تؤدي دورًا مهمًا في الأمن العالمي، خاصة من خلال وجودها العسكري وضماناتها الأمنية في أوروبا وآسيا لمنع اندلاع حروب بين القوى الكبرى.

لكنها شددت على أن طريقة إدارة واشنطن لدورها الأمني في الشرق الأوسط تسبب ضررًا يفوق فوائدها، معتبرة أن تغيير المسار ليس سهلًا، لكنه أصبح ضرورة.

المقال السابقمن الغزو إلى الحصار بالنيران.. كيف يمكن للصين تطويق تايوان دون احتلال مباشر؟
المقال التاليقلق إسرائيلي متصاعد من تراجع مكانة دولة الاحتلال في السياسة الأمريكية