شفقنا-بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، دخل الصراع مرحلة لم تعد فيها خطوط المواجهة الأمامية سوى أحد أبعاده، إذ أصبحت البنى التحتية الاقتصادية والطاقة والمنشآت الصناعية أهدافا رئيسية للطرفين.
وتُظهر الهجمات الأوكرانية الأخيرة على المصافي النفطية والمجمعات البتروكيميائية الروسية أن كييف تنتقل من استراتيجية دفاعية بحتة إلى استراتيجية تقوم على الحرب في العمق، بهدف زيادة الكلفة الاقتصادية والسياسية على موسكو.
ويأتي هذا التطور في وقت يستمر فيه الدعم الغربي لأوكرانيا، رغم بعض التردد، فيما تسعى إدارة ترامب، خلافا للتوقعات الأولية، إلى دعم بقاء أوكرانيا، مع العمل في الوقت نفسه على تهيئة الظروف لإنهاء الحرب من خلال زيادة الضغوط على الطرفين ودفعهما نحو المفاوضات السياسية.
وفي هذا السياق، لا تُعد الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية للطاقة في روسيا مجرد عمليات عسكرية تكتيكية، بل تشكل جزءا من استراتيجية شاملة تهدف إلى تغيير ميزان القوى، والتأثير في حسابات الكرملين، وتعزيز موقع كييف في أي مفاوضات محتملة مستقبلا.
ويتمثل الهدف الأول لأوكرانيا من استهداف المصافي والمنشآت البتروكيميائية الروسية في توجيه ضربة إلى أحد أهم مصادر الإيرادات والتمويل للكرملين. فما يزال الاقتصاد الروسي يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط ومنتجات الطاقة، كما يُموَّل جزء مهم من الموارد اللازمة لاستمرار العمليات العسكرية من هذا القطاع. ومن ثم، فإن تعطيل دورة إنتاج الطاقة وتصديرها قد يؤدي إلى رفع كلفة الحرب على موسكو.
أما الهدف الثاني، فهو إحداث اضطراب في شبكة الإمداد اللوجستي وتوفير الوقود للقوات الروسية. وقد أثبتت تجارب الحروب الحديثة أن الوقود والطاقة يمثلان من أهم عناصر القوة القتالية، وأن أي خلل في سلسلة الإمداد ينعكس مباشرة على القدرة العملياتية وسرعة حركة القوات.
الشعور بانعدام الأمن
ويتمثل الهدف الثالث في نقل الشعور بانعدام الأمن إلى داخل الأراضي الروسية. ففي السنوات الأولى من الحرب، لم يشعر معظم المواطنين الروس بتأثيراتها المباشرة، غير أن استهداف المصافي والمنشآت الحيوية أدى إلى انتقال كلفة الحرب إلى الداخل الروسي، وزاد من شعور الرأي العام والنخب الاقتصادية بالهشاشة الأمنية.
ومن الناحية العسكرية، تعكس هذه الهجمات تطورا مهما في القدرات الدفاعية والهجومية لأوكرانيا. فقد أتاح تطوير الطائرات المسيّرة بعيدة المدى والمنظومات المحلية إمكانية استهداف منشآت روسية استراتيجية في عمق الأراضي الروسية، ما يدل على أن أوكرانيا تمكنت من تعويض جزء من فجوة القوة الصلبة بينها وبين روسيا عبر الابتكار التكنولوجي وتبني أساليب الحرب غير المتماثلة.
وعلى الصعيد السياسي، جاء تصعيد الهجمات الأوكرانية بالتزامن مع جهود الرئيس زيلينسكي للحفاظ على الدعم الغربي. فالرئيس الأوكراني يدرك جيدا أن قدرة بلاده على الصمود تعتمد على استمرار المساعدات المالية والعسكرية والاستخباراتية من الولايات المتحدة وأوروبا، ولذلك فإن إظهار القدرة على توجيه ضربات إلى روسيا والحفاظ على زمام المبادرة العسكرية يُعد جزءا من مساعي كييف لإقناع شركائها الغربيين بمواصلة دعمهم.
أما مواقف إدارة ترامب، فتعكس مقاربة مزدوجة؛ فمن جهة، لا ترغب واشنطن في هزيمة أوكرانيا أو في تعزيز موقع روسيا بصورة مفرطة، ومن جهة أخرى، تسعى إلى إنهاء حرب تتزايد كلفتها الاقتصادية والسياسية على الغرب.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى سياسة ترامب بوصفها مزيجا من الدعم المحدود لأوكرانيا والسعي إلى زيادة الضغط على روسيا بهدف دفع موسكو إلى طاولة المفاوضات.
استراتيجية زيلينسكي الحالية
وفي ظل هذه الظروف، يمكن القول إن استراتيجية زيلينسكي الحالية ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية: أولها، منع التقدم الروسي على الجبهات الشرقية؛ وثانيها، نقل ساحة المعركة إلى عمق الأراضي الروسية ورفع كلفة الحرب؛ وثالثها، الحفاظ على تماسك الجبهة الغربية وضمان استمرار المساعدات الخارجية.
ومع ذلك، تواجه هذه الاستراتيجية مخاطر كبيرة. فقد تدفع الهجمات على منشآت الطاقة الروسية الكرملين إلى تنفيذ ردود انتقامية أشد ضد البنية التحتية الحيوية في أوكرانيا، بما يهيئ لمزيد من التصعيد. كما أن استمرار حرب الاستنزاف قد ينعكس سلبا على الإرادة السياسية للدول الغربية في مواصلة دعم كييف.
ومن المنظور الجيوسياسي، دخلت الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة أصبح فيها أمن الطاقة أحد الأبعاد الرئيسية للصراع. فالهجمات المتبادلة على منشآت الطاقة لا تؤثر في البلدين المتحاربين فحسب، بل تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة العالمية، وأسعار النفط، والحسابات الاستراتيجية للقوى الدولية.
كذلك، فإن تصاعد الهجمات الأوكرانية في عمق الأراضي الروسية قد يؤثر في الحسابات الأمنية لقوى أخرى، ويبرز بصورة أكبر أهمية الطائرات المسيّرة، والحرب السيبرانية، والقدرات غير المتماثلة في النزاعات المستقبلية. وقد أظهرت هذه الحرب أن حتى القوى الكبرى تبقى عرضة لهجمات دقيقة ومنخفضة الكلفة تستهدف بنيتها التحتية الحيوية.
مرحلة جديدة
وخلاصة القول، إن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية تجاوزت مرحلة المعارك التقليدية وخطوط التماس البرية، ودخلت مرحلة جديدة من حرب استنزاف متعددة الأبعاد، أصبحت فيها البنية التحتية للطاقة، والاقتصاد الوطني، والرأي العام، وقدرة الطرفين على الحفاظ على الدعم الدولي، عوامل لا تقل أهمية عن المكاسب العسكرية في الميدان.
وفي هذا الإطار، ينبغي النظر إلى الهجمات الأوكرانية على المصافي النفطية والمجمعات البتروكيميائية الروسية بوصفها محاولة مدروسة لتغيير الحسابات الاستراتيجية للكرملين، ورفع كلفة استمرار الحرب، وتعزيز الموقع التفاوضي لكييف في أي مفاوضات مستقبلية محتملة.
كما أن الدعم المشروط الذي تقدمه إدارة ترامب لأوكرانيا يدل على أن واشنطن تسعى إلى تحقيق توازن بين منع هزيمة كييف وتهيئة الظروف للتوصل إلى حل سياسي.
وبناء على ذلك، يبدو أن فرص التوصل إلى سلام دائم في المدى القريب ما تزال محدودة، وأن الحرب تتجه نحو مرحلة من التصعيد المنضبط والاستنزاف المتبادل.
ومع ذلك، فإن ارتفاع الكلفة الاقتصادية والأمنية على الطرفين قد يهيئ، على المدى المتوسط، ظروفا تدفع موسكو وكييف، تحت وطأة الضغوط الداخلية والخارجية، إلى إبداء قدر أكبر من الاستعداد للانخراط في حلول سياسية ومفاوضات.
ومن ثم، فإن مستقبل هذه الحرب سيتحدد، بدرجة أكبر من نتائج المعارك الميدانية، بمدى قدرة الطرفين على الصمود اقتصاديا، وإدارة كلفة الصراع، وصياغة المعادلات السياسية والدبلوماسية.
المصدر: موقع ديبلماسي إيراني
————————
المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–


