شفقنا-الأسبوع الجاري إحدى أهم قمم حلف شمال الأطلسي (الناتو) منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا والهجوم الأمريكي والإسرائيلي الذي استمر أربعين يوما على إيران. وتمثل هذه القمة اختبارا حاسما لمصداقية الحلف واستمراريته على المدى الطويل، في وقت تخضع فيه أهداف زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي لتدقيق غير مسبوق من جانب البيت الأبيض.
ويُطرح في هذا الاجتماع سؤال رئيس يتمثل في ما إذا كانت أوروبا قادرة على تحويل الزيادات في ميزانياتها الدفاعية بسرعة كافية إلى قوة عسكرية فعلية، بما يضمن استمرار اهتمام الرئيس الأمريكي بالحلف، وفي الوقت نفسه الاستعداد لمرحلة قد يتراجع فيها الدور الأمريكي في أمن القارة الأوروبية.
نقل مزيد من المسؤوليات إلى أوروبا
في قمة لاهاي العام الماضي، تعهد الحلفاء بتخصيص ما يعادل 5.2% من ناتجهم المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي بحلول عام 2035، منها 3.5% للاحتياجات الدفاعية الأساسية و1.5% للاحتياجات الأمنية الأوسع، وهو ما عُدّ نقطة تحول مهمة. غير أن المتوقع أن تنتقل قمة أنقرة من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ.
ومن ثم، يمكن اعتبار قمة أنقرة واحدة من أهم اجتماعات الحلف منذ اندلاع الحرب الأوكرانية. فعلى مدى عقود، تمحور الخلاف الرئيس بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين حول حجم مساهمتهم المالية في الناتو، إذ دأبت واشنطن على اتهام أوروبا بالاستفادة من المظلة الأمنية الأمريكية دون تحمل نصيبها العادل من الأعباء، فيما يعرف بـ”الركوب المجاني”. واليوم دخل هذا الخلاف مرحلة جديدة؛ فإدارة ترامب لم تعد تطالب أوروبا بزيادة الإنفاق الدفاعي فحسب، بل تتوقع منها تحمل مسؤوليات عملياتية واستراتيجية أكبر، وهو ما يعكس توجها أمريكيا لإعادة تعريف دور واشنطن في أمن أوروبا. فالولايات المتحدة ستواصل دعم الناتو، لكنها قد لا تكون مستعدة للاستمرار في أداء الدور المحوري الذي اضطلعت به سابقا.
أوروبا وضمان أمنها
إذا كانت قمم السنوات الماضية ركزت أساسا على إظهار وحدة الموقف السياسي بين الأعضاء ودعم أوكرانيا، فإن قمة هذا العام تدخل مرحلة مختلفة، إذ لم يعد السؤال الرئيس متعلقا بالالتزام بزيادة الإنفاق الدفاعي، بل بقدرة الدول الأوروبية على تحويل تلك الالتزامات إلى قوة عسكرية حقيقية.
فالتطورات الدولية، وعودة ترامب إلى البيت الأبيض، وارتفاع كلفة الحرب في أوكرانيا، وتصاعد المنافسة مع روسيا، وتغير موازين القوى العالمية، وضعت الناتو أمام تحد أساسي. وفي حين يركز الأمين العام للحلف، مارك روته، على الحفاظ على التزام ترامب مع مواصلة العمل على إعادة توزيع الأعباء داخل الحلف، فإن النقاش بشأن البدائل لا يزال محدودا في حال قررت الولايات المتحدة تقليص انخراطها.
وتتمثل الأولوية بالنسبة لأوروبا في الحصول على وضوح بشأن النوايا الأمريكية؛ فإذا كانت واشنطن تعتزم سحب قواتها أو مواردها أو بعض قدراتها العسكرية، فإن الحلفاء بحاجة إلى خطة تنفيذية وجدول زمني واضحين، وهو أمر قد يكون صعبا في ظل نهج ترامب الذي يتسم غالبا بعدم القدرة على التنبؤ في التعامل مع الحلفاء.
وفي هذا السياق، تعرضت إسبانيا وفرنسا بالفعل لانتقادات بسبب مستوى إنفاقهما الدفاعي، في حين تواجه كل من بريطانيا وفرنسا قيودا مالية كبيرة، رغم إدراكهما ضرورة زيادة الجهود. أما ألمانيا فقد أبدت تصميما واضحا على رفع إنفاقها الدفاعي.
مواصلة دعم أوكرانيا
من المتوقع أن تتصدر أوكرانيا جدول أعمال قمة أنقرة، حيث ستتركز المناقشات على الدعم العسكري طويل الأمد، وتطوير الصناعة الدفاعية الأوكرانية، والدروس التي يمكن للناتو استخلاصها من أكثر من أربع سنوات من الحرب الشاملة.
ومن أبرز التحولات الاستراتيجية في رؤية الحلف، تغير موقع أوكرانيا داخله؛ ففي بداية الحرب كانت كييف مجرد متلقية للمعدات والتدريب والمساعدات الغربية، لكنها أصبحت اليوم، بعد سنوات من القتال، أحد أهم مختبرات التقنيات العسكرية الحديثة. فقد أتاح الاستخدام الواسع للطائرات المسيّرة، وأنظمة مكافحة المسيّرات، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والعمليات الشبكية، لأوكرانيا اكتساب خبرات عملية قيّمة يمكن أن تستفيد منها دول الناتو.
ومن هذا المنطلق، لم تعد العلاقة بين الناتو وأوكرانيا تقتصر على كون الأخيرة مستهلكا للأمن، بل تحولت إلى مصدر للمعرفة العسكرية والخبرات العملياتية التي يحتاجها الحلف.
في المقابل، ترى دول أوروبا الشرقية أن التهديد الروسي يمثل أولويتها الأمنية الأولى، بينما لا تزال بعض دول أوروبا الغربية تمنح الأولوية للاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية على حساب زيادة الإنفاق العسكري.
وفي الوقت نفسه، ورغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها روسيا في ميدان القتال، كثفت كييف هجماتها بالطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، مستهدفة البنية التحتية للطاقة والمنشآت العسكرية واللوجستية، بما يعكس التقدم الذي أحرزته في تطوير قدراتها الهجومية.
وأصبحت أوكرانيا اليوم مصدرا للابتكار العسكري، ولا سيما في مجالات الطائرات المسيّرة، وأنظمة مكافحتها، والبيانات الميدانية المتعلقة بأساليب مواجهة روسيا، وهو ما قد يغير طبيعة النقاش داخل الناتو، لينتقل من سؤال: كيف يساعد الحلف أوكرانيا؟ إلى سؤال آخر: كيف يمكن لأوكرانيا أن تساعد الناتو في الاستعداد لحروب المستقبل؟
تركيا واستضافة هذه القمة
تضيف استضافة تركيا للقمة بُعدا آخر من التعقيد. فبالنسبة لأنقرة، لا تمثل استضافة اجتماع الناتو مجرد نجاح بروتوكولي، بل تشكل جزءا من استراتيجية طويلة الأمد لترسيخ موقعها في البنية الأمنية لكل من أوروبا وأوراسيا.
وخلال السنوات الأخيرة، سعت تركيا إلى الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع الناتو وروسيا وأوكرانيا ودول المنطقة، مع محاولة الاضطلاع بدور قوة إقليمية وسيطة ومتوازنة. وفي ظل توجه الاتحاد الأوروبي إلى تطوير صناعاته الدفاعية المشتركة، تخشى أنقرة من استبعادها من المشاريع الدفاعية الأوروبية الكبرى، لأنها عضو في الناتو لكنها ليست عضوًا في الاتحاد الأوروبي.
ومن المرجح أن تستغل تركيا، على غرار الدول المضيفة السابقة، هذه القمة لطرح هواجسها الأمنية ومصالحها في قطاع الصناعات الدفاعية. وبالنسبة للرئيس أردوغان، فإن نجاح القمة سيعزز مكانة تركيا المحورية، ويجنبها خلافا دبلوماسيا كبيرا، كما سيقوي موقفها في الحصول على عقود ومشتريات دفاعية في ظل الارتفاع المتواصل للإنفاق العسكري الأوروبي.
وفي المقابل، قد يساور أنقرة القلق من أن يؤدي توجيه جزء كبير من الإنفاق الدفاعي الأوروبي نحو الشركات المصنعة داخل الاتحاد الأوروبي إلى تهميش الصناعات الدفاعية التركية وإقصائها من هذه السوق.
المصدر: موقع ديبلماسي إيراني


