صلح الإمام الحسن (ع) بين الإيثار السياسي وإشكالية الابتعاد عن السلطة

شفقنا- أكد أستاذ البحث الخارج في الحوزة العلمية، الشيخ محمد سروش المحلاتي في دراسة كلامية وتاريخية لصلح الإمام الحسن المجتبى (ع)، أن ما جرى في عهد الإمام لم يكن مجرد اتفاق صلح أو وقف للحرب، بل إن الإمام الحسن (ع) تخلى عن تولي الخلافة الظاهرية بهدف الحيلولة دون إراقة الدماء وتقليل الكلفة التي تكبدها المجتمع الإسلامي؛ وهو ما عده أحد أبرز نماذج الإيثار السياسي وتقديم مصالح الأمة على التمسك بالسلطة في التاريخ الإسلامي.

و قال الشيخ محمد سروش المحلاتي، في كلمة ألقاها بمناسبة ذكرى استشهاد الإمام الحسن المجتبى (ع)، إن تحدي التخلي عن السلطة في الفكر الشيعي والسني يعد من القضايا المهمة في علم الكلام، موضحا أن مسألة الصلح، كما هو الحال في الحرب، تبحث في الفقه الإسلامي، حيث يناقش الفقهاء شروط الجهاد والهدنة ووقف القتال، إلا أن ما وقع في عهد الإمام الحسن (ع) يتجاوز حدود المسألة الفقهية، لأن الإمام لم يكتف بوقف الحرب، بل تخلى عن الإدارة المباشرة للحكم والخلافة الظاهرية.

وأضاف سروش المحلاتي أن هذه الخصوصية جعلت قضية الإمام الحسن (ع) تتحول إلى أحد الموضوعات الأساسية في مباحث الإمامة في علم الكلام، إذ تثير تساؤلا جوهريا حول ما إذا كان الإمام أو الخليفة يملك حق التخلي عن المنصب السياسي وإدارة الدولة أم لا.

تجربتان مختلفتان في تاريخ الخلافة

ولشرح هذه القضية، قارن سروش المحلاتي بين تجربتين تاريخيتين مختلفتين: الأولى موقف عثمان بن عفان إزاء مطالب المحتجين بتنحيه عن الخلافة، والثانية قرار الإمام الحسن المجتبى (ع) بالتخلي عن تولي الحكم الظاهري.

وقال إن فترة خلافة عثمان شهدت احتجاجات واسعة على طريقة توزيع بيت المال، وتعيين وعزل الولاة، وتفضيل الأقارب، والضغط على بعض المعترضين. وقد راجع المحتجون عثمان مرارا مطالبين بإصلاح الأوضاع، لكن بعد أن أخفقت وعود الإصلاح، طالبوه في المرحلة الأخيرة بالتنحي عن الخلافة.

وأضاف أن المحتجين أبلغوا عثمان بأنهم لن يغادروا هذه المرة قبل تحقيق مطلبهم، وأن عليه أن يتخلى عن الخلافة ليحل محله أحد أصحاب النبي (ص).

وأشار سروش المحلاتي إلى أن عثمان أبدى استعداده للتوبة والاستغفار وإصلاح بعض الأخطاء، لكنه رفض رفضا قاطعا التخلي عن السلطة. واستند في موقفه إلى أن الخلافة ثوب ألبسه الله إياه، وأنه لا يحق له أن يخلعه عن نفسه.

وتابع أستاذ الحوزة أن هذا التصور كان يرى أن مختلف شؤون الحكم، بما في ذلك تعديل السياسات المالية، وإصلاح أداء الولاة، ومعالجة الأخطاء، يمكن أن تكون محل نقاش، أما البقاء في السلطة فكان يعد خطا أحمر لا يقبل المساومة.

ولفت إلى أن عثمان صرّح بأنه يفضل أن يقتل على أن يتنازل عن الخلافة التي كان يعدها مسؤولية إلهية، رغم أن اختياره للخلافة تم وفق الآلية التي وضعها عمر بن الخطاب قبل وفاته، والتي أوكلت أمر الاختيار إلى مجلس الشورى، مع منح عبد الرحمن بن عوف الدور الحاسم في اتخاذ القرار.

وبحسب سروش المحلاتي، فقد استخلص من هذه الواقعة التاريخية في بعض المدارس الكلامية السنية أن الخليفة لا يملك حق التنحي عن منصبه تحت أي ظرف، وحتى إذا ارتكب معصية أو ظلما أو انحرافا، فإن واجبه هو التوبة وإصلاح نفسه، لا ترك المنصب.

وأشار إلى رأي القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتاب المغني، موضحا أن هذا الاتجاه يرى أن الإمام أو الخليفة، بعد استقراره في السلطة، لا يجوز له أن يعزل نفسه من الإمامة، وإذا وقع في خطأ فعليه أن يتوب منه.

وأضاف سروش المحلاتي أن هذا الرأي يواجه إشكالا تاريخيا يتعلق بالخليفة الأول، إذ نقل عن أبي بكر أنه قال بعد البيعة: أقيلوني.

وأوضح أن بعض المتكلمين من أهل السنة سعوا إلى التوفيق بين هذه العبارة وبين القول بعدم جواز التنحي، فاعتبروا أن كلام أبي بكر لم يكن طلبا حقيقيا للتخلي عن السلطة، وإنما صدر على سبيل إظهار الزهد في الحكم، وعدم التعلق به، والتواضع.

وبحسب سروش المحلاتي، فإن نتيجة هذا التفسير هي أن الشخص قد يعلن ظاهريا عدم رغبته في الرئاسة، لكنه إذا تولى السلطة، فلا يحق له إعادتها إلى الناس أو التخلي عنها.

تجربة الإمام الحسن (ع) في مواجهة نظرية عدم جواز التنحي

ثم انتقل سروش المحلاتي إلى تجربة الإمام الحسن المجتبى (ع)، واصفا إياها بأنها تمثل نموذجا مغايرا تماما، وقال: في الوقت الذي رفض فيه عثمان التنحي رغم الضغوط الشعبية الواسعة، وانتهى الأمر بمقتله، فإن الإمام الحسن (ع) تخلى عن تولي الحكم الظاهري خلال الأشهر الأولى من خلافته، من دون أن تكون هناك ثورة شعبية عامة تطالب بعزله.

وأكد أن هذه الواقعة تمثل إحدى أبرز نقاط الاختلاف بين الفكر الكلامي الشيعي وبعض الاتجاهات الكلامية السنية.

وانتقد ضعف الاهتمام بالأبعاد السياسية والاجتماعية لهذا الحدث، قائلا: للأسف، لم يستفد من النماذج والأسس التي جسدها سلوك الإمام الحسن (ع) بالقدر الذي تستحقه، كما أن الأبعاد العميقة لهذا القرار لم تحظ بما يكفي من الدراسة والتحليل.

لماذا لا يكفي مصطلح الصلح لوصف حقيقة ما جرى؟

ورأى أستاذ البحث الخارج في الحوزة العلمية أن مصطلح صلح الإمام الحسن (ع) لا يكفي لوصف جميع ما حدث، موضحا أن الحديث عن الصلح يوحي عادة بأن طرفين متحاربين أوقفا القتال مع احتفاظ كل منهما بموقعه السياسي، كما هو الحال في صلح الحديبية في عهد النبي (ص)، أو في اتفاقات السلام بين الدول.

وأضاف أن ما جرى في قضية الإمام الحسن (ع) لم يقتصر على وقف الحرب، بل إن الإمام تخلى عن الخلافة التي كانت بيده، وهو ما أفسح المجال أمام معاوية لبسط سيطرته الكاملة على الأراضي الإسلامية.

ولذلك، يرى سروش المحلاتي أن التعبير الأدق لتحليل هذه الواقعة هو الابتعاد عن تولي الحكم أو ترك الخلافة الظاهرية وليس مجرد الصلح بالمعنى المتعارف عليه.

النهاية

 

المقال السابقالخزرجي في “المرجعية الدينية” يوالف بين التوثيق والتحليل
المقال التاليالعراق يستحدث مسارات جوية مؤقتة جديدة لربط بغداد بطهران وتسهيل حركة الرحلات