موسكو وبكين بين تحالف الضرورة وتصدعات المصالح

شفقنا-في ظل تصاعد الاضطرابات في منطقة الخليج وما يرافقها من تهديدات لإمدادات النفط والغاز، يرى عدد من المحللين أن روسيا تسعى إلى تعميق شراكتها في مجال الطاقة مع الصين.

وقبل أن يتوجه بوتين إلى الصين للمرة الرابعة عشرة للقاء شي جين بينغ، حرص على توجيه رسالة علنية مفادها أن البلدين يقتربان من إبرام اتفاق كبير في قطاع الطاقة. 

وكان الهدف الأبرز من زيارته في شهر مايو يتمثل في إقناع شي بالموافقة على مشروع خط أنابيب الغاز الطبيعي الثاني بين روسيا والصين، المعروف باسم قوة سيبيريا 2، وهو مشروع مطروح منذ أكثر من عقدين وتعتبره موسكو ضرورة استراتيجية ملحة.

غير أن الوفد الروسي الذي سبق بوتين إلى بكين اصطدم بموقف صيني حازم. ووفقا لأشخاص مطلعين على المفاوضات، أبلغ المسؤولون الصينيون رئيس شركة غازبروم الروسية الحكومية بأن بكين لن توافق على المشروع إلا إذا باعت روسيا الغاز للصين بالسعر نفسه الذي تبيعه به داخل السوق الروسية، وهو سعر يقل عن الأسعار العالمية. وبمعنى آخر، طالبت الصين موسكو بتحمل كلفة دعم المشروع.

وأضافت المصادر أن المسؤولين الصينيين شددوا على موقفهم بإبلاغ الجانب الروسي بعدم إثارة هذا الملف مجددا ما لم تتغير الظروف.

وغادر بوتين بكين في اليوم التالي بعدما وقع الجانبان 42 اتفاقية وبيانا مشتركا، لكن اتفاق خط الأنابيب لم يكن من بينها، كما امتنعت الصين عن تقديم أي تفسير علني بشأن غيابه.

 مجموعة جي 2: الولايات المتحدة والصين

جاءت زيارة بوتين بعد أيام قليلة من لقاء شي بالرئيس الأمريكي ترامب في بكين، وهو اللقاء الذي حرص الطرفان على إظهاره باعتباره اجتماعا بين قوتين متكافئتين. وقد وصف ترامب زيارته بأنها لقاء مجموعة الاثنين (G2).

وتنظر الصين بإيجابية إلى هذا التصور، وإن كانت تتجنب تبنيه رسميا، خشية إثارة مخاوف دول الجنوب العالمي، التي تمثل ركيزة أساسية في رؤية شي لإعادة تشكيل النظام الدولي.

ورغم ذلك، لا توجد مؤشرات على أن الشراكة الاستراتيجية بين بكين وموسكو تتجه نحو الانهيار. بل على العكس، فقد تعمق الدعم الصيني لروسيا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

فقد ساهمت بكين في إبقاء اقتصاد الحرب الروسي قائما عبر شراء النفط الروسي بأسعار مخفضة، وتوفير المكونات اللازمة للصناعات الدفاعية الروسية، وإتاحة قنوات مالية ساعدت موسكو على التكيف مع العقوبات الغربية. ورغم الضغوط الأمريكية والأوروبية المتكررة على الصين لدفعها إلى ممارسة نفوذها على روسيا لإنهاء الحرب، فإن تلك المساعي لم تحقق نتائج تذكر.

ويبدو أن شي جين بينغ استوعب جيدا دروس ستينيات القرن الماضي، عندما أدى تعامل الاتحاد السوفيتي مع الصين باعتبارها الشقيق الأصغر إلى انهيار التحالف بينهما. ولذلك، يحرص شي على إظهار الاحترام لبوتين في المناسبات العلنية، حتى وإن كان يسعى خلف الأبواب المغلقة إلى انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات.

ومع ذلك، فإن زيارة مايو لم تشبه إطلاقا اللقاء الأول بين الرجلين عام 2013، حين اختار شي موسكو لتكون أول محطة خارجية له بعد توليه السلطة. ووفقا لمصادر مطلعة، فقد أشاد شي آنذاك ببوتين واعتبره قدوته.

وتوضح المصادر أن أكثر ما أثار إعجاب شي كان قدرة بوتين على الحفاظ على مكانة روسيا بين القوى الكبرى، رغم اعتماد اقتصادها بصورة كبيرة على صادرات النفط والغاز، خلافا للاقتصادين الأمريكي والصيني الأكثر تنوعا.

لكن حرب أوكرانيا لم تجر روسيا إلى مستنقع مكلف فحسب، بل منحت شي فرصة لاستكمال التحول البنيوي في ميزان القوى الذي كان قد بدأ بالفعل، بحيث تحولت الشراكة التي كانت تبدو شبه متكافئة إلى علاقة تهيمن فيها الصين على معظم مفاصل التعاون.

شقوق بدأت بالظهور

ورغم أن البلدين يصفان علاقتهما بأنها شراكة بلا حدود، فإن هذه الشراكة تقوم في الواقع على أسس محدودة. فهي لا تستند إلى منظومة قيم أو ثقافة مشتركة، بقدر ما تقوم على العداء المشترك للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وهو ما بدأت تظهر معه بوادر تصدع في العلاقة.

وقد ألهمت هذه الشروخ فكرة يصفها خبراء السياسة الخارجية بنيكسون المعكوس، ومفادها أن تسعى الولايات المتحدة إلى جذب روسيا بعيدا عن الصين، على غرار ما فعله الرئيس الأمريكي نيكسون في سبعينيات القرن الماضي عندما استغل الانقسام الصيني السوفيتي لفتح صفحة جديدة مع بكين.

وفي مستهل الولاية الثانية للرئيس ترامب، صرح وزير الخارجية الأمريكي روبيو بأن الولايات المتحدة يجب ألا تسمح لروسيا بأن تتحول إلى شريك صغير دائم للصين. غير أن هذه الفكرة كانت محكومة بالفشل منذ البداية، لأن بوتين لم يبد أي استعداد لإنهاء حربه في أوكرانيا.

ولدى روسيا بالفعل أسباب تدعوها إلى التذمر من علاقتها مع الصين، بل وحتى إلى النظر إليها بشيء من الريبة. فرغم أن حجم التجارة بين البلدين تضاعف منذ اندلاع الحرب، فإن البيانات الصينية تشير إلى أن القسم الأكبر من هذا النمو تحقق خلال السنوات الأولى التي أعقبت غزو أوكرانيا عام 2022.

وقد أغرقت السلع الصينية السوق الروسية بالسيارات، والآلات الثقيلة، والمنسوجات، وحتى لحوم الدجاج، وهي منتجات غالبًا ما تكون أرخص وأكثر جودة من نظيراتها المصنعة محليا، الأمر الذي أثار احتجاجات المنتجين الروس وخلق تحديات سياسية للكرملين.

وبعد ضغوط مارسها سيرغي تشيميزوف، الصديق القديم لبوتين منذ أيام جهاز الاستخبارات السوفيتي (كي جي بي) ورئيس أكبر تكتل للصناعات الدفاعية الروسية، اتخذت الحكومة الروسية إجراءات رفعت من تكلفة السيارات الصينية بهدف حماية صناعة السيارات المحلية.

ومن جهة أخرى، أفاد محللون وشخص مقرب من أجهزة الاستخبارات الروسية بأن موسكو باتت تكتشف بصورة متزايدة محاولات تجسس صينية تستهدف مسؤولين من المستوى المتوسط داخل مؤسسات الدولة الروسية، لكنها تتجنب إثارة هذه القضية علنا أو طرحها مع بكين خشية الإضرار بالعلاقات الثنائية.

وقالت إلينا ريباكوفا، الباحثة البارزة في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي في واشنطن: تتعامل روسيا مع هذه العلاقة بواقعية شديدة، فهي تدرك جيدا موقعها الحقيقي في مواجهة الصين.

المصدر: موقع اكو ايران

————————

المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

المقال السابقبين أنقرة وواشنطن… نتنياهو يواجه اختبارا جديدا في ميزان القوى
المقال التاليإنجاز تنصيب العمود الوسطي لباب الرأس الشريف في مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)